ويضيف25:"ولإنجاح هذه السياسة البربرية تقرر إبعاد التأثير العربي الإسلامي، يقول"دي كايكس"ما معناه:"إن التعريب هو الأسلمة، وهذا يعني إحكام قبضة ديانة من أهم أركانها الجهاد المقدس، ونشر لغة بإمكانها أن تصبح وسيلة لنشر أفكار معادية"."
ويستطرد الكاتب نفسه قائلًا26:"ويزعم داعية آخر يسمى"FONTAINE"أن جميع العرب كسالى ومفسدون، كما يلاحظ بلهجة المنتصر أن العرب قد وصلوا إلى إفريقيا قبل الفرنسيين، وعليهم أن يغادروا المنطقة حالًا."
إن هذه الأمثلة من الدعاية المبتذلة تبرهن على أهمية الصعوبات التي واجهت الفرنسيين عند انتهاجهم سياستهم المحكوم عليها بالفشل مسبقًا، وتجدر الإشارة هنا إلى أن موزعي المنشورات من خلال حملاتهم الدعائية وصلوا إلى درجة من الإسفاف جعلتهم يزعمون أن مناطق البربر تابعة لفرنسا، لأن التكوينات الجيولوجية لجبال الريف مماثلة لجبال الألب""
ويضيف27:"في عام 1931م أدرك الداعية الكبير"LEGLAY"أن هذه السياسة قد فشلت نهائيًا فكتب حزينًا في كتابه"إفريقيا الفرنسية": إن الشعوب مهما اختلفت فيما بينها فإنها عندما تكتشف طموحاتها وقضاياها المشتركة فإنها تتحد في توجيه الانتقادات إلى الفرنسيين"
من خلال هذه النصوص - وغيرها لا يكاد يحصى - يتضح الهدف الحقيقي للاحتلال الفرنسي للمغرب، وهو تحويل المغاربة إلى نصارى دينًا، وفرنسيين من درجة دنيا لغة وتقافة ووضعًا اجتماعيًا، وإلحاق المغرب أرضًا بتراب ما كانوا يطلقون عليه"فرنسا ما وراء البحار".
إلا أن هذا المشروع الخيالي الفرنسي ظل يتلقى الضربات القاسية على يد المقاومة المغربية في الأرياف والجبال، والسهول والصحارى، فلم يجد الفرنسيون بدًا من الاستعانة بسلطة المخزن التي أصبحت مرتهنة في أيديهم ضعيفة لا حول لها ولا قوة، واستغلال وضعية السلطان المولى يوسف كإمام للمسلمين، حيث أجبروه على تزكية الحملات العسكرية الفرنسية ضد الثوار، وفي هذا كتب"BOBIN BIDWELL"28: إن استغلال وضعية السلطان كإمام ساعدت الفرنسيين على التدخل في المسائل المتفجرة مثل تعليم المسلمين، وإصلاح نظام الأحباس، من غير إحداث معارضة، وفي استمالة شريف تازروالت الذي كان يعتبر أحد الشخصيات الدينية البارزة في الجنوب، وكتب الماريشال ليوطي:"كنت سعيدًا جدًا حين طلب مني السلطان أن أوجه باسمه الجيش الفرنسي في عملية علوية شريفة للقضاء على ثورة الهيبة، وأن نتصدى بقوة لهذه المقاومة الإسلامية معززين بالسلطة الدينية التمثيلية للسلطان، وأعتقد أن اقتراح السلطان هذا يعد من أحسن المناورات السياسية الناجحة في التعامل مع الأهالي".
ولعل في إيراد البرقية التي أجبر المولى يوسف على إرسالها إلى المقيم العام الفرنسي بالمغرب بمناسبة انتصار الجيش الفرنسي على المقاومة المغربية في تازة ما يغني لتوضيح هذا الأمر، وهذا نص البرقية كما وردت في كتاب"ليوطي الإفريقي"29:
"الرباط في 19 مايو، الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة."
من صاحب الجلالة إلى المقيم العام.
أولًا: تلقينا بكامل الغبطة والسرور نبأ دخولكم المظفر إلى تازة على رأس جيشكم، وبالمناسبة نبعث إليكم بتهانينا لنجاحكم في هذه العمليات العسكرية المتعاقبة التي هيئت ونفذت تحت قيادتكم الرشيدة، كما نرجو منكم أن تبلغوا تهانينا الحارة لكل من الجنرال"كورو"، والجنرال"بومكرتن"، وإلى ضباطهم وكافة الجنود الذين أعرب لهم عن تقديري الكبير للشجاعة والحنكة التي أظهروها خلال عملياتهم الشاقة.
ثانيًا: إننا نوصيكم بانتظار رسائلنا الشريفة التي تقدم التهاني باسمنا إلى كل من القائد أحمد ولد علي وهوارة لموقفهم العادل، كما نؤكد تأييدنا للقائد هاشم ولد الحاج المدني والحاج اجميعان ولد علي، وندعوهم باسم المخزن أن يستخدموا كل نفوذهم ونشاطهم للمحافظة على الهدوء، وإخضاع السكان للفرنسيين"."
ثم في 11 سبتمبر 1914م أجبروا المولى يوسف على توقيع الظهير البربري الأول الذي يضفي الشرعية على السياسة الفرنسية البربرية، ويقضي بأن تلغى الشريعة الإسلامية لدى القبائل البربرية التي تم إخضاعها من قبل الجيش الفرنسي، وإحلال العرف مكانها في المعاملات والأحوال الشخصية، والقوانين الجنائية، على أن تتخذ قرارات وزارية لضبط محتويات هذا العرف وتقنينها، وبمقتضى هذا الظهير أحدث المقيم الفرنسي العام المارشال ليوطي ابتداء من سنة 1915م في قبائل البربر ما سمي"الجماعات العدلية"تمهيدًا لتحويلها إلى سلطة قضائية حقيقية لا تلتزم في أحكامها بأي جزئية أو كلية من أحكام الشريعة الإسلامية، وإنما بالعرف الجاهلي لسكان ما قبل الإسلام، وبالقانون الفرنسي.