ثم عزز الفرنسيون هذه الخطوة في أول عهد السلطان محمد بن يوسف قبل أن يلتقي بالحركة الوطنية الاستقلالية وينخرط فيها، فاستصدروا باسمه وتوقيعه ظهيرًا آخر سنة 1930م هو ما دعي تاريخيًا بالظهير البربري، شرعوا بمقتضاه قانونًا يفصل بين من صنفوهم عربًا عن من صنفوهم بربرًا، واعْتُبِر بمقتضى هذا القانون أن الإسلام واللغة العربية خاصان بسكان السهول، وهم وحدهم العرب والمسلمون، وأن سكان الجبال غير عرب وغير مسلمين، وأوجب لذلك أن تؤسس في مناطقهم محاكم لا تطبق الشريعة الإسلامية، ومدارس لا تدرس إلا اللغة الفرنسية.
ثم خطت السلطة الفرنسية خطوة ثقافية أخرى في المناطق التي تعدها وحدها عربية مسلمة بأن قررت فصلهم تدريجيًا عن لغة القرآن بتخصيص حصص في المدارس الرسمية لتعليم اللهجة العربية الدارجة التي استحدثت لها قواعد نحوية وصرفية وتعبيرية، وشهادات ابتدائية وثانوية، ودبلومًا عاليًا يفتح للحاصلين عليه آفاقًا واسعة للتوظيف والترقية.
يقول شارل أندري جوليان 30:"بدأت السياسة البربرية باحتشام بالظهير البربري سنة 1914م، ثم أخذت فجأة صورة علنية بالظهير الصادر في 16 مايو 1930م، وقد أمضاه السلطان الفتي محمد بن يوسف، وهو يقر الصلاحية العدلية للجماعات العدلية التي أنشأها ليوطي، وينشئ محاكم لا تحكم بالإسلام وإنما بالعرف، مركبة من الأعيان، ومكلفة بالحكم في جميع القضايا المدنية والتجارية، وقضايا المنقولات والقضايا العقارية، وفي كل مادة تتعلق بالأحوال الشخصية أو نظام الميراث، كما تؤسس بمقتضى هذا الظهير محاكم استيناف لا تحكم بالشريعة الإسلامية وإنما بالعرف أيضًا، باستثناء الأحكام الاستينافية المتعلقة بالقضايا الجنائية حيث نص البند السادس على أن للمحاكم الفرنسية صلاحية البث في الجنايات المرتكبة بالبلاد البربرية مهما كانت وضعية صاحب الجناية وكل ذلك عملًا بالخطة التي وضعت منذ انتصاب الحماية لتكريس العرف وإلغاء الشريعة، ثم أمر السلطان بأن يتلى الظهير الشريف في المساجد والأسواق والأماكن العامة، وأن تسرع السلطة الفرنسية إلى تنفيذه في جميع ربوع المغرب".
وقد برهن إصدار الفرنسيين لهذا الظهير، وإجبار السلطان على توقيعه؛ على مدى الضغط الممارس على السلطة المغربية وممثلها الذي لم يكن يملك من أمره شيئًا، وفي هذا يقول"BOBIN BIDWELL":31:"ولم يحتج إلى سلطته - أي سلطة السلطان - إلا خلال الاضطرابات التي وقعت عقب صدور الظهير البربري، كما لم يحتج لرسائله الشريفة إلا لتزكية قراءة الظهير في المساجد، إنه يمكننا الترحيب بمواقف السلطان محمد الخامس في السنوات الأولى للثلاثينات، فسلطات الحماية لم تمرنه على السلطة، كما أن الجنرال"Spilman"اقترح أن يروض السلطان على النظر إلى الفرنسيين كأعضاء أوفياء ومخلصين، وأن يروع ويخوف من وجود شباب مغربي في مثل عمره يشجبون ويستنكرون بعنف توقيعه للظهير البربري".
وعن هذا الظهير الذي استصدر لخدمة أهداف الاستعمار والكنيسة الصليبية يقول"ويلفريد ناب"32:"في عام 1930م نفذ الفرنسيون قانونًا جديدًا على شكل ظهير، والظهير هو المصطلح الذي يطلق على الطريقة العادية التي ينهجها السلطان لوضع التشريعات ذات الصبغة الدينية، وأعطى هذا الظهير شرعية قانونية للمحاكم القبلية التي شكلت للبربر، وبذلك وضعت قبائل البربر تحت حاكمية القوانين الفرنسية..."ثم يضيف:""ويمكن وصف هذا الظهير بأنه هجوم على الإسلام، ومحاولة لتقسيم البلاد"."
لقد كان هذا الظهير كما يقول شارل أندري جوليان33:"لصالح الدعاية الكاثوليكية التي يتزعمها حينئذ الأسقف"هاري فيال"، وتنادي بها صحيفة"لو ماروك كاثوليك - المغرب الكاثوليكي"، والمجلة التاريخية لبعثات التبشير"لا ريفو ديستوار دو ميسيون"، واتهم الإصلاح - أي الظهير البربري - بأنه ظهر في وقت تفاقمت فيه الدعاية التبشيرية الفرنسية، ونشطت فيه جهود ضابط فرنسي هو"الكومندان ماتي"لنشر نسخ من كتاب عن حياة المسيح باللغة العربية، وتنصيب مغاربة من القبائل متنصرين ككتبة بمحاكم الجماعات".
ولذلك قام المغاربة عن بكرة أبيهم في الجبال، والسهول، والصحارى لمقاومة هذه المؤامرة الفرنسية كما وصف ذلك شارل أندري جوليان34 قائلًا:"وكان للحملة على الظهير البربري انعكاسات عميقة، فلقد انطلقت الحركة من مساجد سلا حيث ظل دعاء أيام الخطب"يا لطيف"يذكر عقب كل صلاة، ويختم بهذه الجملة"اللهم إنا نعوذ بك من غضبك فلا تفرق بيننا وبين إخواننا البربر"، ودوى جامع القرويين بهذا الذكر، وأقبل الجمهور على حرم مولاي إدريس يردد نفس الذكر، فكانت بذلك مظاهرة شعبية جعلت السلطة تحرك الباشا، ولتوقيف الإضرابات استقبل الباشا وفدًا يتألف من عشرة أعضاء فلم يقتصر على اعتقالهم بل سلط عليهم عقوبة الجلد، كما لم يهتم أحد، أو يتأثر بقراءة رسالة السلطان التي يدين فيها حركة الشباب الاحتجاجية، ويبرر سياسة تكريس العرف البربري".