فهرس الكتاب

الصفحة 1598 من 27364

دهش الجماعة من هذا الأمر ونقمت السلطة على فضيلة المفتي ووقع استنطاقه إرهاباً له وتخويفاً لغيره ونالت قضية التجنيس بذلك صدمة وأي صدمة ضاق بها صدر الحكومة فأخذت تفكر في التخلص مما وقعت فيه بسوء تدبيرها، ووجدت من الوزير الأكبر لسمو الباي وشيخي الإسلام أكبر عون على حل هذا المشكل فدبر ثلاثتهم مؤامرة ضد أميرهم ودينهم ووطنهم، فتواطأوا على وضع سؤال يلقى من الحكومة على أعضاء المجلس الشرعي فيقع الجواب منهم عليه طبق رغبة حكومة الاحتلال ولو أدى إلى انقراض جنسهم وزوال ملك الإسلام وشريعة الإسلام من هذه الديار. واغتنموا عطلة عيد الأضحى لإتمام هذا الأمر ومباغتة الأمة به، ولكن الناس علموا ما يدبر لهم في الخفاء فذهب وفد من الحزب الحر [4] الدستوري التونسي، يتركب من لجنة الحزب العليا وهم السادة أحمد الصافي المحامي بتونس والكاتب العام للحزب، صالح فرجات المحامي، الطيب الجميل المحامي، الطاهر صفر المحامي، عز الدين الشريف، الشاذلي الخلاوي، محمد الصالح ختاش، المنصف المنستيري، الشاذلي خزندار، محي الدين القليبي - ذهب هذا الوفد عشية ثاني أيام العيد إلى كل من الوزير الأكبر وشيخي الإسلام وأبلغوهم نص احتجاج الأمة على هذه المحاولة وأنذروهم وخامة عاقبتها. وزيادة على مافي هذين النصين فقد قام الوفد بمناقشة المتآمرين في هذه المسألة، وأفهمهم جيداً خطورة ما يترتب عليها من دخول المسلمين شيئاً فشيئاً في الجنسية الفرنسية، وخروجهم بذلك على سلطان دولتهم الإسلامية واحتكامهم لغير شريعة الإسلام، وأنه بذلك يقضى على المحاكم الإسلامية ودولة الإسلام في هذه الديار وبين لهم الوفد أيضاً غضب الأمة من هذه المحاولة الخطرة على حياتها ولكن هؤلاء لم يقتنعوا بما قيل لهم، إذ كانت تلوح عليهم علامات الغدر بملتهم ودولتهم وسلطة أميرهم الذي ولاهم هذه الخطط.

وخرج هذا الوفد من لدنهم وهو مقتنع بعزمهم على إبرام ما ائتمروا عليه. فالوزير الأكبر قال لرجال الوفد: إن مسألة بنزرت وفتوى مفتيها بعدم دفن المتجنس في مقابر المسلمين استاءت منها الحكومة فرنسا أيما استياء، ولا يخفى عليكم أن دولة فرنسا هنا بمقتضى معاهدة مع أمير البلاد وأمر واقع لا يسعنا انكاره ولا التعرض له بسوء وهو احتلالها لبلادنا، وهذا الاحتلال يفرض علينا نحوها آداباً لابد من مراعاتها وإزالة كل ما يخدش فيها. ولما كانت فتوى مفتي بلد بنزرت قد اعتدت على تلك الآداب لأنها عبرت عن أن الجنسية الفرنسية شيء قذر لا يقبله المسلمون ولا يدفنون من تلبس به في مقابرهم، فيجب والحالة ما ذكر محو هذا الأثر السيء الذي أحدثته الفتوى في نفوس أبناء الدولة الحامية [5] ، وعبثاً حاول أعضاء الوفد إفهامه أن المسألة دينية وأنها فوق هذه الاعتبارات...

[1] - محب الدين الخطيب [1886 1967] : ولد ونشأ في دمشق، ووالده الشيخ أبو الفتح الخطيب [1834 1897] ، من علماء دمشق وأئمتها وخطبائها، وكان أمين دار الكتب الظاهرية بدمشق منذ تأسيسها إلى يوم وفاته، وأما جده الشيخ عبد القادر الخطيب [1808 1871] ، فكان من كبار علماء دمشق.

التحق بكليتي الحقوق والآداب في الآستانة عام 1905 بعد إكمال دراسته الثانوية في دمشق، وقطع دراسته عام 1907 م بسبب مراقبة أجهزة الأمن له وخوفه من الاعتقال لأنه كان من النشطين في صفوف دعاة النهضة العربية.

بدأ عمله الصحفي عام 1908 في صحيفة المقتبس التي كان يصدرها صديقه محمد كرد علي، وفي عام 1909 انضم إلى أسرة تحرير"المؤيد". وانضم للشريف حسين بعد إعلانه الثورة على الأتراك، وأصدر جريدة"القبلة"وكانت صحيفة رسمية للثورة العربية... ثم التحق بالملك فيصل بن الحسين في دمشق عام 1919، وعينته الحكومة العربية مديراً لمطبوعاتها وكلفته بإصدار جريدة الحكومة الرسمية التي سموها"العاصمة".

وعندما احتل الفرنسيون دمشق عام 1920 م خرج محب الدين الخطيب متخفياً حتى وصل القاهرة، وانضم إلى أسرة تحرير الأهرام واستمر يعمل فيها نحو خمس سنوات، وفي عام 1924 أسس إلى جانب المكتبة السلفية ومطبعتها »مجلة الزهراء«. ثم أسس صحيفة الفتح في عام 1926، واستمرت إلى عام 1948، ثم عمل فترة كرئيس لتحرير مجلة الأزهر، ووافته المنية في ديسمبر عام 1969 ولم يكن محب الدين الخطيب مجرد صحفي، بل كانت الصحافة عنده وسيلة لخدمة أهدافه الإسلامية العربية، وكانت له صلات قوية مع الحركات الجهادية في مختلف بلدان العالم الإسلامي، - رحمه الله - رحمة واسعة. [عن كتاب محب الدين الخطيب ودوره في الحركة العربية، للدكتور محمد عبد الرحمن برج] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت