إن هناك فكرة تسود الأوساط الاستعمارية الفرنسية اليوم وهي تكوين إمبراطورية فرنسية من أكبر أجزائها أفريقيا الشمالية - تونس والجزائر والمغرب الأقصى - وما يحيط بها من السوادين، ولما كان وضعية تونس والمغرب الأقصى السياسية غير وضعية الجزائر ابتدأوا بالعمل على توحيد الوضعية بتوحيد هذه الأقطار والعمل لجعلها قطراً واحداً يسكنه رعايا فرنسيون شريعتهم القانون الوضعي الفرنسي ولغتهم لغة فرنسا بدون شك. ومن الوسائل التي يعتمدون عليها في بلوغ غايتهم هذه مسألة تجنيس سكان هذه البلاد بالجنسية الفرنسية، ومن المعلوم أن المتجنس بالجنسية الفرنسية لا يمكن أن يكون لحكومته الإسلامية ولا لأميره عليه من سبيل، وأنه في أحواله الشخصية - من زواج وطلاق وإرث وغير ذلك - لا يحتكم إلى شريعة الإسلام وإنما يحتكم للقانون المدني الفرنسي الذي تخالف أحكامه الشرع الإسلامي على خط مستقيم: فالطلاق بيد الحاكم ولا يوقعه إلا لأسباب أربعة، والأرث على التساوي بين الذكور الإناث، والزواج بعقد مدني لدى الحاكم الفرنسي، وتعدد الزوجات جناية يعاقب مرتكبها. والمتجنس زيادة على ذلك يوجب على نفسه برضا واختيار أن يكون جندياً يقاتل تحت الراية الفرنسية حتى المسلمين أنفسهم. هذا زيادة عن كون المتجنس يخرج طائعاً مختاراً عن جماعة المسلمين ويوهن قوتهم ويؤيد خصمهم عليهم ويسعى بخروجه في تقوية سلطان الإسلام من بلاد الإسلام وإزالة أحكامه.
فتحوا باب التجنيس وأقاموا له من نفوذهم وقواهم الوسائل الكافية لإدخال الناس في جنسيتهم وإخراجهم عن ملتهم، وأول طائفة تسللت من نفوذ الإسلام هم اليهود [2] الوطنيون إذ تجنسوا دفعة واحدة في الجزائر وبصفة فردية في تونس والمغرب الأقصى فاحتج المسلمون على هذا العدوان من الفرنسيين والعقوق والخروج عن عهد الذمة من اليهود، ولكن التيار بقي على حاله. وجاء دور المسلمين في سنة 1923 فتجنس نفر منهم بالجنسية الفرنسية وكونوا بمساعدة الحكومة المحتلة جمعية لهم تدعى جمعية المسلمين الفرنسيين أخذت تعمل لبث الدعوة وتوفير عدد المتجنسين، والحكومة تنشطها من خلف بشتى الوسائل.
ولما استفتى المسلمون في تونس علماءهم عن حكم المتجنس في نظر الشرع الإسلامي حجرت حكومة الاحتلال على العلماء الرسميين [3] الإفتاء وبيان حكم الله في هذا الأمر، فسكتوا وكتموا ما أنزل الله من البينات والهدى، إلا من رحم ربك فأفتى الشيخ أحمد عياد والشيخ التهامي عمار بردة المتجنس وعدم جواز معاملته معاملة المسلم، وأفتى بذلك من مصر الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقاً، والسيد رشيد رضا والشيخ على سرور.
ولا تسأل عن تأثير هذه الفتاوى في قضية التجنيس، إذ لم يتجنس بعدها إلا نفر أقل من القليل، فضاقت صدور أنصار التجنيس من الفرنسيين وأعوانهم ممن يسمون أنفسهم بالمسلمين الفرنسيين.
وفي هذه الأيام قام أحد زعماء الفكرة وهو النائب مورينو في مجلس النواب الفرنسي وألقى خطاباً تذمر فيه من قلة عدد المتجنسين واحتج على الحكومة لتقاعسها في هذا الصدد فوعده رئيس الحكومة الفرنسية ببذل أقصى الجهد لإتمام هذا النقص. واتفق أن مات أحد المتجنسين في مدينة بنزرت، فامتنع المسلمون من قبوله في مقابرهم لأنه مرتد بحكم الفتوى، إلا أن السلطة امتنعت من الإصغاء لهذه المعارضة واستفتت مفتي البلدة الشيخ إدريس الشريف فأفتى بالردة وعدم الدفن في مقابر المسلمين، فنزل هذا الأمر على الحكومة نزول الصاعقة ودفن ذلك المارق في مدافن النصارى الغرباء.