نماذج توضيحية لتصحيح النقاد أحادي الضعفاء (1)
ولعل من الأفضل أن أسوق هنا بعض الأمثلة ليكون الموضوع واضحًا وجليًا .
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن فضيل بن سليمان جملة من الأحاديث على سبيل الاحتجاج والتصحيح ، وفضيل بن سليمان ليس من الثقات ، بل ممن ضعف لسوء حفظه ، ولذلك قال الحافظ ابن حجر ملخصًا آراء النقاد حول مرتبته: (صدوق له خطأ كثير) .
منها: ما أخرجه البخاري عن فضيل بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالو: إن قومًا يأتونا باللحم لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا ؟ قال: سموا الله وكلوه (2) ، وهو ما وافقه أبو خالد سليمان بن حيال الأحمر ومحمد بن عبد الرحمن وعبد العزيز بن محمد وأسامة بن حفص (3) .
كما أخرج البخاري في صحيحه ما صح من أحاديث إسماعيل بن أبي أويس مع أنه قد أتفق النقاد على تضعيفه ، على وجه الاعتماد والتصحيح ، وليس على وجه الاستئناس والاستشهاد .
وقد جمع الحافظ ابن حجر في مقدمة شرح لصحيح البخاري أسماء الضعفاء والمتكلم فيهم ممن أخرج لهم الإمام البخاري في صحيحه ، سواء على سبيل الاعتماد والاحتجاج ، أو على سبيل الاستئناس والاستشهاد ، وعقد لذلك فصلًا خاصًا .
وكذلك الإمام مسلم في صحيحه لم يختلف أسلوبه في ذلك عن أسلوب الإمام البخاري ، فقد أخرج مسلم على وجه التصحيح ما صح من أحاديث سويد بن سعيد واسباط بن نصر ، وقطن بن نسير ، وأحمد بن عيسى المصري ، وهم متكلم فيهم لسوء الحفظ (4) .
ومن أحاديث الضعفاء التي نصل الإمام الترمذي على صحتها ما رواه شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة قال:"من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائمًا فلا تصدقوه ، ما كان يبول إلا قاعدًا".
وقال الترمذي:"حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح" (5) .
وحديث شريك هذا مما تابعه فيه سفيان الثوري (6) .
وشريك مشهور بالضعف ، ومع ذلك صحح حديثه لإمام الترمذي بقوله: (حديث عائشة أحسن وأصح) (7) .
وفي هذه النماذج ما يؤكد أن ما رواه الضعيف إذا وافق أحاديث الثقات أو الواقع الحديثي يعد صحيحًا على منهج نقاد الحديث ، لكونه قد حفظه بإتقان وضبط ، وبالتالي فلا داعي لإخراج هذا النوع من الأحاديث الصحيحة من حد الصحيح ، ولا لذكر القيود فيه ليتحرز بها من الصدوق والضعيف (8) .
ولعله يرى عدم اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحيح لأنه هناك لم يصرح عنه نفسه باختيار شيء ، بل اقتصر على نقل ما عند المحدثين". (النكت 2/653) ."
وهنا قد أكد الحافظ أن نفي الشذوذ من شروط الصحيح عند المحدثين ، دون غيرهم .
ثم إن الحافظ ابن حجر - في أثناء رده على الإمام الدار قطني فيما كان يعترض على الإمام البخاري بأحاديث أختلف الرواه فيها - لم يكن يدعي أن الشذوذ ليس قادحًا في صحة الحديث ، وأن انتفاءه في الحديث ليس شرطًا في ذلك لدى أصحاب الصحاح .
وفيما يبدو أن هذا الكلام لم يصدر من الحافظ ابن حجر على سبيل التعقيد والتأصيل ، وإنما هو مجرد نزاع في مسألة الشاذ ، كما عبر عن ذلك السخاوي بقوله:"إن الحافظ قد مال إلى النزاع"، وكيف لا! وهو الذي حرر مسألة الشذوذ ، مؤكدًا على قدحها في صحة الحديث .
على أن كتب العلل والسنن والمسانيد تزخر بأحاديث الثقات التي أعلها النقاد بالمخالفة والتفرد ، وليس من الإنصاف العلمي غض الطرف عن هذا الواقع الملموس ليعول على قول الحافظ الذي يعد مجرد نزاع في مسألة الشذوذ الذي يكون عبارة عن المخالفة: هل يشترط في الصحيح خلوه من شذوذ أو لا ، دون أن يؤصل ذل كفاعدة .
(1) وأما إذا كذب الراوي في الرواية ، أو اخطأ فيها فيسفر ذلك عن تصادمه بالواقع ، أو تفرده بما لا أصل له في أحاديث شيخه . وهذا هو شأن الكاذبين والمخطئين والواهمين في نقل الأخبار ، ولا يحس بغلطهم وكذبهم إلا من له معرفة سابقة حول ملابسات موضوع تلك الأخبار. كما يقول المثل:"أهل مكة أدرى بشعابها".
( ) انظر كتاب (منهج البخاري في التصحيح والضعيف من خلال الجامع الصحيح) للأخ أبي بكر الكافي جزاه الله خير الجزاء ص149 - 158 .
(2) كتاب البيوع ، باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات 4/345 .
(3) أنظر البخاري ، كتاب التوحيد ، باب السؤال بأسماء الله .. 13/391 ، وكتاب الذبائح والصيد ، باب ذبيحة الأعراب ونحوهم 9/550 .
(4) صيانة صحيح مسلم ص94 - 98 .
(5) سنن الترمذي 1/17 (تحقيق أحمد شاكر) .
(6) رواه الحاكم في مستدرك 1/189 من طرق متعددة عن سفيان .
(7) واعترض على الإمام الترمذي في تصحيحه شراح سنن الترمذي وسنن النسائي وغيرهم ، بحجة أن شريكًا ضعيف ، وقال بعضهم: إن قوله: حديث عائشة أصح وأحسن لا يدل على صحته، ولذلك قال ابن القطان:"إنه لا يقال فيه صحيح ، وتساهل الحاكم في التصحيح معروف".
أقول: لا مجال لهذا الاعتراض على الترمذي فإنه وغيره من الأئمة النقاد ، يصححون من أحاديث الضعفاء ما تأكدوا على أنهم قد حفظوه بضبط وإتقاتن ، كما سبق .
وأما مصطلح (هذا أصح بشيء في الباب وأحسن) فيفيد الصحة عنده ، بخلاف قوله: (أحسن شيء في هذا الباب حديث فلان) أو (أصح شيء في هذا الباب حديث فلان) ، إذ لا يفيد إلا مطلق الترجيح من بين المرويات التي وردت في الباب ، وهذا ما تبين لي بالاستقرار ، حيث يستخدم الإمام الترمذي في سننه مصطلح (حديث فلان أحسن وأصح) فيما صححها البخاري ومسلم .
وعليه فإن هذا المصطلح المركب يكون أكد في إفادة الصحة من قوله المعتاد: (حسن صحيح) . والله أعلم .
(8) هنا لفتة علمية مهمة لابد من التلويح إليها في هذه المناسبة ، وهي:
أن بعض المعاصرين يصححون الأحاديث بناءً على ظاهر سندها ، حتى وإن أعلها نقاد الحديث بالتفرد أو المخالفة . وربما يستدلون في ذلك بقول الحافظ ابن حجر الذي ورد في تدريب الراوي (1/65) :
"وهو (يعني أن يشترط خلو الحديث من شذوذ) مشكل ، لأن الإسناد إذا كان متصلًا وكان رواته كلهم عدولًا ضابطين ، فقد انتفت عنه العلل الظاهرة ، ثم إذا انتفى كونه معلولًا فما المانع من الحكم بصحته ؟ فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أوثق منه أو أكثر عددًا لا يستلزم الضعف ، بل يكون من باب صحيح أو أصح".
ثم قال:"فإن قيل"يلزم أن يسمى الحديث صحيحًا ولا يعمل به ، قلت: لا مانع من ذلك ، إذ لس كل صحيح يعمل به ، بدليل المنسوخ"أهـ."
وإن كان هذا النص يفيد بظاهره أن ثقة الراوي واتصال السند يكفيان في الحكم على الحديث بصحته، وأن خلوه من شذوذ وعلة ليس من شروط الصحيح ، غير أن الحافظ نفسه ينقض هذه القاعدة جملة وتفصيلًا ، ولذا فإن هذا النص الذي يعد غريبًا بالنسبة إلى الحافظ ابن حجر لا يصح اعتماده ، دون عرضه على نصوصه وأعماله التي تدل بوضوح على أنه يعتبر خلو الحديث من شذوذ وعلة من أهم شروط الصحيح .
وإليك بعض هذا النصوص .
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله:
"صحة الحديث وحسنه ليس تابعًا لحال الراوي فقط ، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة". (النكت 1/404) .
وقال أيضًا:"وهذا (يعني قبول زيادة الثقة مطلقًا) قول جماعة من أئمة الفقه والأصول ، وجرى على هذا الشيخ محيي الذين النووي في مصنفاته . وفيه نظر كثير ؛ لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشتمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم . ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعني بمروياته ، كالزهري وأضرابه ، بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه ، ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها ، والذي يغلب على الظن في هذا ,أمثله تغليط راوي الزيادة ."
"وقد نص الشافعي في (الأم) على نحو هذا فقال في زيادة ملك ومن تابعه في حديث:"فقد عتق منه ما عتق): إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه ، أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظه عنه، وهم عدد وهو فرد ، فأشار إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عددًا أنها تكون مردودة . انتهى (النكت 2/688) .
= وقال أيضًا في رده على الدار القطني:
"وأما من حيث التفصيل فقد قررنا أن مدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل". (هدي الساري مقدمة فتح الباري ص1/11) .
وقال أيضًا:
"وأما المخالفة فينشأ عنها الشذوذ والنكارة فإذا روى الضابط والصدوق شيئًا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرًا ، وهذا ليس في الصحيح منه إلا نزر يسير قد بين في الفصل الذي قبله بحمد الله تعالى . (هدي الساري 1/384 - 385) ."
هذا ، والحافظ ابن حجر قد صرح بأن سلامة الحديث من الشذوذ والعلة شرط أساسي في الصحيح، حيث قال في تعريف الصحيح:
"خبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته". (شرح النخبة ص54- تحقيق نور الدين عتر ط2 . ، سنة 1414هـ الصباح ، دمشق) .
وقال أيضًا مستدركًا على تعريف ابن الصلاح:
"وينبغي أن يزاد في التعريف بالصحيح ، فيقال: هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط أو القاصر عنه ، إذا اعتضد ، عن مثله إلى منتهاه ، ولا يكون شاذًا ولا معللًا". (النكت 1/417) .
وقال تعليقًا على ابن الصلاح في مبحث تعارض الوصل والإرسال .
"وهنا شيء يتعين التنبيه عليه ، وهو: أنهم شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذًا . وفسروا الشاذ بأنه ما رواه الثقة فخالفه من هو أضبط منه أو أكثر عددًا ، ثم قالوا: تقبل الزيادة من الثقة مطلقًا فلو اتفق أن يكون من أرس لأكثر عددًا أو ضبط حفظًا أو كتابًا على من وصل ايقبلونه أم لا ؟ أم هل يسمونه شاذًا أم لا ؟ لابد من الإتيان بالفرق أو الاعتراف بالتناقض". (النكت 2/612) .
ثم قال الحافظ في مبحث الشاذ:"وعلى المصنف" (يعني ابن الصلاح) إشكال أشد منه وذلك أنه يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذًا كما تقدم ، ويقول: إنه لو تعارض الوصل والإرسال قدم الوصول مطلقًا سواء كان رواه الإرسال أكثر أو أقل حفظًا أم لا ، ويختار في تفسر الشاذ أنه الذي يخالف روايه من هو أرجح منه . وإذا كان راوي الإرسال أحفظ ممن روى الوصل مع اشتراكهما في الثقة فقد ثبت كون الوصل شاذًا فكيف يحكم له بالصحة مع شرطه في الصحة أن لا يكون شاذًا؟"."
وتابع الحافظ قائلًا:"هذا في غاية الإشكال ، ويمكن أن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحة إنما يقوله المحدثون ، وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال ، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك ، والمصنف قد صرح باختيار ترجيح الوصل على الإرسال="