المنكر
أما المنكر فمعناه اللغوي ضد المعروف ، يعني غير معروف ، فقد ورد في لسان العرب:"نكر الأمر نكيرًا وأنكره إنكارًا ونكرًا جهله" (1) .
ويكون هذا المعنى اللغوي أكثر بلورة في استعمال النقاد لمصطلح (منكر) ، فإنهم يطلقونه على الحديث إذ لم يكن معروفًا عمن أضيف إليه - ويعنون بذلك أن إضافة الخبر إلى ذلك المصدر خطأ .
وإن كان هذا هو معنى المنكر فإن أكثر استعمال له في كلام النقاد إنما هو فيما تفرد به الضعيف ، وليس له أصل ، أو خالف فيه الثقات ، وقد يستعملون هذا اللفظ في الأحاديث الواهية الساقطة التي يرويها مجهور الحديث أيضًا .
وقد يرد في نصوصهم الجمع بين لفظ المنكر وما يكون تفسيرًا لمعناه:
كقول الإمام أحمد:"يحدث بأحاديث مناكير ليس لها أصل" (2) .
وقول البخاري:"حديثه ليس بمعروف منكر الحديث" (3) .
وقوله:"هذا حديث منكر خطأ" (4) .
وقول الترمذي:"هذا حديث منكر ، لا نعرف أحدًا من الثقات روى هذا الحديث عن هشام بن عروة". وغير ذلك من النصوص التي ترد بكثافة في كتب العلل .
ولكثرة استعمال المحدثين لكلمة (منكر) فيما رواه الضعيف استقر لدى بعض المتأخرين أن المنكر هو ما رواه الضعيف مخالفًا لثقات ، كما حرر ذلك الحافظ ابن حجر في كتابه النكت ونخبة الفكر ، وتبعه جل اللاحقين .
ويلاحظ أن معنى المنكر عند ابن الصلاح وغيره من بعض الأئمة أوسع مما ذكره الحافظ ابن حجر ، ولذا جعله ابن الصلاح نوعين ؛ وهما:
ما تفرد به الضعيف .
ما خالف الراوي فيه الآخرين .
ويتمثل الفرق بينهم في أن ابن الصالح ومن أيده من الأئمة يجعلون النوع الأول مقيدًا بالضعيف ، بينما يكون النوع الثاني غير مقيد به ، ولذلك فما خالف الراوي فيه غيره من الثقات، سواء أكان ذلك الراوي ثقة أم ضعيفًا يعد منكرًا .
وأما الحافظ ابن حجر فمفهوم المنكر عند منحصر فيما خالف فيه الضعيف الثقات. غير أنهم جميعًا متفقون على أن ما ينفرد به الثقة يكون مقبولًا مطلقًا ، وهذا يشكل نقطة خلاف جوهري بين المتأخرين والمتقدمين عمومًا .
ومع وجود ذلك الخلاف المنهجي بينهم يكون ابن الصلاح أقربهم إلى منهج النقاد في مفهوم المنكر ، حين ألحق حديث الثقة الذي خالفه فيه الثقات بالمنكر ، وكذلك الحافظ الذهبي، حين قال:
"المنكر ما تفرد الضعيف به ، وقد يعد تفرد الصدوق منكرًا" (5) .
وقال في موضع آخر:
"وقد يُسمى جماعة من الحفاظ الذي ينفرد به مثل هشيم وحفص بن غياث منكرأً ، فإذا كان المتفرد من طبقة مشيخة الأئمة أطلقوا المنكر على ما انفرد به ؛ مثل عثمان بن أبي شيبة ، وأبي سلمة التبوذكي ، وقالوا: (هذا منكر) " (6) .
وإذا فهمنا معنى (المنكر) على اختلاف الآراء حوله بين المتقدمين والمتأخرين فإننا نكو ن قد استوعبنا منهج القوم في تعليلهم بهذا المصطلح ، وأننا قد حملنا هذا المصطلح على محمله الصحيح عند صاحبه .
وخلاصة الفكرة حول مصطلح المنكر ما يلي:
المنكر هو الحديث الذي لم يكن معروفًا عن مصدره الذي أضيف إليه ، سواء أكان روايه ثقة أم صدوقًا أم ضعيفًا ، سواء أتفرد به الراوي مع المخالفة أم لا . يعني ذلك أن الحديث فيه خطأ .
يعد المنكر جزءًا من العلة ، وليس نوعًا مستقلًا عنها ، ولا قسيمًا لها ، والمعنى المشترك بينهما هو وجود خطأ في الحديث .
وكثيرًا ما يستعمل النقاد عوضًا عن لفظ المنكر عبارات واضحة المعنى ؛ كقولهم: (هذا خطأ) ، (هذا وهم) ، (هذا غير محفوظ) ، (هذا غير صحيح) ، (ولا يشبه) ، (غريب) ، (لا يثبت) ، (لا يصح) ، وإذا قمت بدراسة تلك الأحاديث التي أعلها النقاد بهذه العبارات وجدتها مصداقًا لتعريف المنكر ، لا سيما حسب التعريف المستقر في كتب المصطلح .
ونسوق هنا بعض الأمثلة التي تؤيد ما سبق ذكره .
(2) تهذيب التهذيب 3/282 .
(3) المصدر السابق 1/209 .
(4) العلل الكبير للترمذي 2/818 .
(5) الموقظة ، ص42 .
(6) المصدر السابق ، ص77 .