روى محمد بن طلحة بن مصرف عن الحكم عن عبد الله بن شداد عن أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب جعفر ابن أبي طالب أمروني النبي صلى الله عليه وسلم ، قال:"تسلبي (*) ثلاثًا ثم أصنعي ما شئت" (1) .
يقول الإمام أحمد:"إنه من الشاذ المطروح" (2) .
وأورد ابن أبي حاتم هذا الحديث في علله ، وحكى عن أبيه قوله:
"فسروه على معنيين:"
أحدهما أ، الحديث ليس هو عن أسماء ، وغلط محمد بن طلحة ، وإنما كانت امرأة سواها.
وقال آخرون: هذا قبل أن ينزل العدد"."
ثم قال أبو حاتم:
"أشبه عندي والله أعلم أن هذه كانت امرأة سوى أسماء ، وكانت من جعفر بسبيل قرابة ، ولم تكن امرأته ؛ لأ، النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تحد امرأة على أحد ، فوق ثلاثة إلا على زوج" (3) ."
والشاهد في هذا الحديث أن محمد بن طلحة - الذي قاله فيه البيهقي: ليس بالقوى - تفرد بهذا الحديث ، ولم يكن له أصل في حديث الحكم ، بل خالف الصواب المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أحاديث صحيحة ، وهو وجوب حداد المرأة على زواجها المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا ، وقد ثبت ذلك أيضًا بالقرآن الكريم .
فوصف بعض الأئمة بشذوذ هذا الحديث لغرابته مع مخالفة الواقع العملي ، والأحاديث الصحيحة الأخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأورده أبو حاتم في علله ، كما أورده ابن عدي في الكامل ، دون إطلاقهما عليه لفظ الشذوذ .
ومن هنا يتضح معنى الشاذ وأنه هو الحديث الغريب الذي لا أصل له ، وإذا كان مخالفًا للصواب الذي دل عليه القرآن الكريم أو الأحاديث الصحيحة فغرابته تكون أظهر (4) .
وأنت ترى في هذا المثال أن المخالفة لم تكن بين ثقة وأوثق ، بل كانت بين ما رواه الضعيف ، وبين ما يدل عليه القرآن الكريم والسنة الصحيحة ، مع أنه لم يرو عن الحكم هذا الحديث سوى محمد بن طرحة .
ولذلك قلنا سابقًا: إن المخالفة التي تؤخذ في مفهوم الشاذ ينبغي أن نجعلها في نطاق أوسع ، دون حصرها بين ثقة وأوثق .
والمثال الثاني:
قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى في رجل من أهل دار الحرب تزوج خمس نسوة في عقدة ، ثم أسلم هو وهن جميعًا ، وخرجوا إلى دار الإسلام:
"إنه يفرق بينه وبينهن".
وقال الأوزاعي: بلغنا أنه (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) قال:"أيتهن شاء".
وقال أبو يوسف رحمه الله:""ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال الشافعي:"فهو كما قال ، وقد بلغنا من هذا ما قال الأوزاعي ، وهو عندنا شاذ ، والشاذ من الحديث لا يؤخذ به ، لأن الله تبارك وتعالى لم يحل إلا نكاح الأربع ، فما كان من فوق ذلك كله فحرام من الله في كتابه" (5) .
والشاهد هنا أن الإمام الشافعي وصف الحديث الذي تفرد الأوزاعي بروايته بلاغًا ، بأنه شاذ ، وذلك لمخالفته ما ثبت في القرآن الكريم .
وهذا يوضح أن الشاذ ليس فقط هو مجرد مخالفة بين ثقة وأوثق ، بل عنده في أوسع معناها كما أوضحنا سابقًا .
وأما حسب المعنى المستقر في كتب المصطلح فإن أمثلة الشاذ تزخر بها كتب العلل، دون أن يصفها بالشذوذ ، وقد يطلقون الخطأ أو المنكر ، وغير محفوظ ، وغير ذلك من العبارات.
واكمتفى هنا بمثال واحد ، وهو:
ما رواه معتمر بن سليمان عن حميد الطويل عن أبي المتوكل عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرخص في الحجامة ، والمباشرة للصائم .
أورده ابن أبي حاتم في علله ، فقال:
"هذا خطأ ، إنما هو عن أبي سعيد قوله" (6) . أي: من قوله .
فحديث معتمر بن سليمان ، يصدق عليه الشاذ حسب معناه المستقر في كتب المصطلح، وهو مخالفة الثقة لمن هو أولى ؛ إذ خالف معتمر ، وهو ثقة إمام ، قتادة وجماعة من الحفاظ ، فرفع ما وقفوه .
(1) معناه: البسي لباس الحداد .
( ) رواه أحمد في مسنده 6/438 ، وإسحاق بن راهويه 1/39، وابن سعد في الطبقات الكبرى 4/4، 8/282 ، وابن الجعد في مسنده 1/398 ، والطبري في تفسيره 2/514 ، وابن حبان في صحيحه 7/418 ، والطبراني في المعجم الكبير 24/139 ، والبيهقي في سننه الكبرى 7/438، وابن عدي في الكامل 6/2365 .
(2) شرح العلل ، ص236 .
(3) فتح الباري 9/487 .
(4) ومثل هذا الخطأ الفادح لا يقع عادة من الثقات ، وإنما من الضعفاء شديدي الضعف ، وهذا معنى قول شعبة: لا يجيئك الشاذ إلا من الرجل الشاذ .
(5) الأم 7/260 .
(6) علل ابن أبي حاتم 1/232 .