فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 87

كتب المستخرجات على الصحيحين أو أحدهما كثيرة ، منها (المستخرج على صحيح البخاري) للإسماعيلي وللبرقاني ، و (المستخرج على صحيح مسلم) لأبي عوانة وأبي جعفر بن حمدان ، و (المستخرج على الصحيحين) لأبي نعيم الأصفهاني وأبي عبد الله بن الأحزم .

وموضوع هذه المستخرجات أن يروي أصحابها أحاديث الصحيحين أو أحدهما بأسانيد خاصة بهم ، قصد علوها ، دون أن تمر بالبخاري ولا بمسلم ، لكن بشرط أن تلتقي أسانيدهم بأسانيدهما في مخرج الحديث ، أو في أقرب شيوخهما ، أو في شيوخهما أنفسهم ، وإلا لا يعتبر مستخرجًا لحديث الشيخين ، بل تكون روايتهم مستقلة ، لا صلة لها بأحاديثهما ، وقد ترد في الأحاديث المستخرجة زيادات ، لكونها مروية عن غير الإمام البخاري والإمام مسلم .

نظرًا لكون هذه الكتب مستخرجة على الصحيحين فإن كثيرًا من المتأخرين أدرجوها ضمن الصحاح . وهذا صحيح بالنسبة إلى الأحاديث التي ليس فيها زيادات ، وأما غيرها ففي إطلاق صحتها وقبولها نظر قوي ؛ لأن أصحابها لم يشترطوا الصحة في أسانيدهم ، وكان هدفهم الرئيس من الاستخراج هو تحقق العلو فيها ، وأنه كلما يتحقق هذا الهدف استخرجوا الأحاديث من غير أن تشترط فيها الصحة ، وقد تكون روايتهم من طريق ضعيف زاد أو خالف بما رواه البخاري ، وحتى إذا كان راويها ثقة ففي زيادته إشكال .

لذلك فإن ا لزيادات التي ينفرد بها المستخرج عن الصحيحين لا تعتبر صحيحة عمومًا لمخالفة تلك الزيادات لألفاظ الصحيحين ، وقد توصف بشذوذها ونكارتها ، كما حقق ذلك الحافظ ابن حجر في نكته خلاف ما أقره الإمام ابن الصلاح رحمها الله تعالى (1) .

(1) هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد بسط ، ولذا أقول:

إن الاستخراج هو أسلوب جميع المحدثين في عصر الرواية في كتبهم ، وليس محصورًا بين الصحيحين والكتب المستخرجة عليهما ، كما يتوهم ذلك من كتب المصطلح ، بل هو ظاهرة علمية قامت عليها نهضة الرواية في ذلك العصر كله ، وما من حافظ من حفاظ ذلك العصر يؤلف حديثه إلا وقد رواه على سبيل الاستخراج إذا حدث به سابقه ، ويرويه عن شيخ آخر يكون أعلى منه بالنسبة إلى هذا اللاحق المستخرج ، أو بإسناد آخر ، يلتقي معه في أقرب شيوخه أو مصدر الحديث تحقيقًا لعلو إسناده واستقلالًا بالمصدرية ، بدل أن يكون تابعًا لسابقه ومقلدًا له فيه ، ولذلك نجد جميع كتب اللاحقين مستخرجه لأحاديث كتب السابقين .

ولهذا السبب بعينه نلقي الإمام أحمد لا يري في مسنده عن الإمام الشافعي ، وأنه لم يرو عنه فيه سوى حديث واحد ، بل كان يروي عن شيوخ أقدم منه ، بل عن شيوخ الإمام الشافعي ، مثل وكيع وغيره، كما أن مسلم ، ولا ابن خزيمة يروي عن البخاري ولا عن مسلم ، ولا ابن حبان يروي عن ابن خزيمة ولا عن البخاري ولا عن مسلم ، وهكذا نرى أصحاب السنن والصحاح والجوامع والمسانيد والمصنفات لا يرون الأحاديث إلى على الاستخراج .

وهذا الموضوع مما درسناه في الملحق الثاني من كتاب (نظرات جديدة في علوم الحديث) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت