فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 87

ولعل من المفيد أن نوضح معاني المصطلحات الآتية ، وهي:

الرواة والحديث والإسناد والمتن .

ورواة الحديث هنا:

الحميدي عبد الله بن الزبير ،

وشيخه سفيان ،

وشيخه يحيى بن سعيد الأنصاري ،

وشيخه محمد بن إبراهيم ،

وشيخه علقمة بن وقاص الليثي ،

وشيخه عمر بن الخطاب عن الني صلى الله عليه وسلم .

والحديث عبارة عن مجموع الإسناد والمتن ، وهو هنا من أقوال قول البخاري:"حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير ..."إلى آخر قوله:"ما هاجر إليه".

ويقال:"هذا الحديث حديث البخاري"أي ما رواه البخاري بسنده ومتنه . وباعتبار سند مسلم لهذا الحديث يقال:"هذا حديث مسلم".

وهكذا يعد الحديث عدة أحاديث باعتبار طرقه المتعددة .

وباعتبار طرق الحديث يصح وصفه بأنه صحيح ، أو ضعيف ، أو موضوع ، أو غير ذلك من الأوصاف .

وأما إذا قلنا: إن الحديث هو قول النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يصح وصفه بالوضع ولا بالضعف .

لقد وصفه بذلك الأئمة قديمًا وحديثًا ، وذلك باعتبار سنده وكيفية روايته ، وبالتالي يكون معنى قولهم: (هذا حديث موضوع) هو: أن هذا الحديث أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذبًا . وقل مثل ذلك في الحسن والضعيف .

وأما الإسناد فهو عبارة عن السلسلة المكونة من الرواة الذي نقلوا المتن ، وهو هنا قول البخاري:"حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير حدثنا سفيان حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص لليثي سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه".

والمتن هو ما انتهى إليه السند ، وهو في المثال قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال ..."إلى آخره.

وقد يكون ذلك قول الصحابي ، أو قول غيره ، وليس بشرط أن يكون المتن دائمًا قول النبي صلى الله عليه وسلم (1) .

= حميدي: (حدثنا سفيان) تصريح منه بسماعه من سفيان حين قال:"حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري سمعت محمد بن إبراهيم .."إلى آخر قوله .

وقد تبين جليًا صدق الحميدي في ذلك ، وأنه قد حدث كما سمع من شيخه سفيان دون خطأ ولا وهم ، حيث إن الثقات من أقرانه نقلوا عن سفيان ما نقله الحميدي عنه من غير تغيير يذكر إلا زيادة زادوها في آخر الحديث .

وبذلك يكون الحميدي قد اتفق مع الآخرين في كل ما ذكره عن سفيان .

فتدل هذه الموافقة على أن الحميدي قد أصاب في القدر الذي رواه من الحديث دون وقوع وهم ولا خطأ فيه .

وعلى هذا النحو من الموافقة ألفينا ما يخص بقية مصادر الحديث ورواته ، الأمر الذي يجعلنا نقول إن كلًا منهم قد روى عمن فوقه كما حدث به .

سبب تفرد الحديث في الجزء الأعلى من الإسناد وشهرته في آخره .

ولاحظنا في هذا الحدث أن الجزء الأعلى من الإسناد - وهو يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر - ظهر فيه تفرد ، بينما في الجزء الأخير اشتهر الحديث بين ثقات الحفاظ شهرة واسعة .

فما سبب ذلك ؟

إذا كانت شهرة الحديث وتعدد رواياته مما يساعد الباحث على إجراء المقارنة بينها ليعرف الصواب منها والخطأ ، فكيف يتم ذلك في حالة التفرد ؟ وما حكم الحديث إذا تفرد به الراوي ؟ وفيما يلي الإجابة على هذه الأسئلة .

أولًا: إن تفرد الحديث في طبقة الصحابة وتابعهم أمر طبيعي .

ثانيًا: لا يضر ذلك التفرد بصحة الحديث بخلاف الأمر في الطبقات المتأخرة .

وذلك لأن الحديث من شأنه أن ينقل من شخص إلى شخص ، ومن بلد إلى بلد ، ومن جيل إلى جيل ، كما أن من شأنه أن يختلف سياقه بتعدد رواته .

وحين يصل الحديث إلى عصر الإمام البخاري - مثلًا - فإن الحديث قد مر على عصور مختلفة ، ومن الطبيعي جدًا أن تتأثر فيها طريقة نقل الحديث بقدر ما يحدث وعلى سبيل المثال ؛ فعصر الإمام البخاري يختلف عن عصر الصحابة ومن بعدهم من التابعين ، بل يختلف اللاحق عن سابقه . فما استجد في اللاحق من عوامل انتشار الحديث وتناقله بين فئات مختلفة ، وأسباب تداخله على من يرويه حفظًا ، منعدم تمامًا في السابق ، ولذا فما يجب تحريه في نقل الحديث في القرن الثالث - مثلًا - من شروط وضوابط قد لا يجب استيفاؤها في بداية القرن الأول ، لأنه كلما تتأثر طريقة نقل الحديث بسبب تطور مستمر في حقل التعليم يحتاج الحديث إلى تطوير القواعد التي تضمن صحة نقله

وتوضيح ذلك:

أن رحلة المحدثين في سبيل طلب الحديث لم تكن آخذة في التوسع إلا بعد عصر التابعين ، وأن تبادل الأحاديث بين مصادر مختلفة ، ومراكز متباعدة ، لم يظهر إلا بعد توسع دائرة الرحلة التي تربط المدن والقرى ، وتتيح لجميع فئات المحدثين فرص اللقاءات مع الشيوخ في نطاق واسع .

أما بالنسبة إلى عصر الصحابة فلم تكن الرحلة فيها لطلب الحديث معتادة وميسرة لجميع الفئات من الطلبة والمحدثين ، إلا إلى مكة والمدينة (حرسها الله تعالى) ، إذ يرحل الناس إليهما للحج والعمرة والزيارة ، ومن عادة المحدثين أن يغتنموا رحلتهم المباركة لتحقيق آمالهم في لقاء أصحاب الحديث، سواء أكان ذلك في البقاع المقدسة أم في البلاد التي تكون في طريقهم إليها ، لكن اللقاء خارج البلاد يكون في إطار ضيق .

ولذلك كان خروج بعض الصحابة من المدينة إلى خارجها ، كمصر والشام ، لضبط حديث ، مدعاة للعجب ، وتدوينه كحدث تاريخي نادر ، ومنهم أبو أيوب وجابر بن عبد الله (أنظر كتاب الرحلة في طلب الحديث ، للخطيب البغدادي ، ص111 - 126) .

أما بعد عصر الصحابة فأخذت الرحلة تتوسع تدريجيًا ، حتى صارت من أهم العناصر التي ينبغي توافرها في الراوي كي يعتمد في رواية الحديث .

ولذلك قال ابن معين: أربعة لا تؤنس منهم رشدًا ، حارس الدرب ، ومنادي القاضي وابن المحدث ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث . (معرفة علوم الحديث ص9 للحاكم) .

ولذلك قال ابن معين: أربعة لا تؤنس منهم رشدًا ؛ حارس الدرب ، ومنادي القاضي وابن المحدث ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث . (معرفة علوم الحديث ص9 للحاكم) .

لعل تلك التدرجات المرحلية التي لاحظناها في رحلة المحدثين المتقدمين عمومًا تشكل عوامل رئيسة لإبقاء عدد كبير من الأحاديث أفرادًا في عصر الصحابة ، وكذا في عهد التابعين ، ثم لتحولها تدريجيًا من حالة التفرد إلى الشهرة ، كما لمسنا ذلك في رواية حديث:"إنما الأعمال بالنيات".

وإذا تفرد الراوي بحديث في الطبقات المتأخرة التي من شأنها تعدد طرق الحديث ، لا سيما في روايته عن المحدثين المعروفين ، فإن ذلك يثير لدى نقاد الحديث تساؤلًا ؛ كيف تفرد الراوي دون غيره من الثقات ، وكانوا جمعيًا حريصين على لقاء الشيوخ ، وسماع الأحاديث منهم مباشرة .

لاشك أن هذا التساؤل يكون أمرًا منطقيًا وواقعيًا إذا نظرنا إلى طبيعة اللقاءات والرحلات في تلك العصور المتأخرة ونظرًا لقلة دواعي تعدد الروايات ، وشهرتها ، بين حفاظ الحديث في العصور المبكرة ، ونظرًا لقلة أسباب التداخل بين الأحاديث والأقوال والآثار على رواتها ، فإن علماء أهل السنة والجماعة لم يشترطوا في قبول الحديث العدد في الرواة .

وعليه فإذا تفرد ثقة من ثقات التابعين بحديث ، ولم يكن غريبًا شاذًا يخالف الثابت فإن ذلك التفرد لا يضر بصحة ذلك الحديث ، ومن هنا أصبح من المعقول أن تكون رواية العدل عن العدل حجة، كما سبق في شرح الإمام الشافعي لموضوع الاحتجاج بخبر الواحد .

ومن المعلوم أن هذه القاعدة لم يقبلها المعتزلة ، ممن يشترط التعدد في رواة الحديث ليحتج بخبر الآحاد.

وإذا كانت رواية العدل عن العدل حجة لدى أهل السنة والجماعة ، فإن من المتأخرين من يعتبرها قاعدة مطردة يطبقها في جميع أجزاء الإسناد ، وفي جميع الحالات دون استثناء ، وبالتالي يصبح الحديث الذي اتفق النقاد على تعليله بالتفرد والغرابة صحيحًا عنده دون تردد .

على ضوء هذا الواقع نلقي نظرة سريعة على هذا الحديث الذي نحن بصدده .

تفرد عمر به ، ثم تفرد عنه علقمة ، ثم تفرد عن قلقمة محمد بن إبراهيم ، كما تفرد عن يحيى بن سعيد الأنصاري .

(1) هنا عدة أمور مهمة ؛ منها:

أسلوب المحدثين في البحث عن مدى صحة هذا الحديث:

من الجدير بالذكر أن سلسلة الإسناد لا تتحقق على شكله الذي رأينا إلا إذا ذكر المتن معه ، وإلا فماذا يسمع كل منهم ممن فوقه ؟ وما الذي يحدث به السابق منهم لاحقه ؟

وعلى ضوء صدق كل منهم عمن فوقه من سند ومتن يتم البحث عما يلي:

اتصال السند ، ومدى سماع كل منهم ممن فوقه هذا الحديث ، وهو حديث:"إنما الأعمال..".

مدى صدق كل منهم في نقل ذلك الحديث ، أو احتمال وهمه ، أو تصرفه فما من حكم يصدر في شأن الإسناد ، كاتصال أو انقطاع أو تدليس أو إرسال أو تصحيح أو تعليل أو غير ذلك من الأحكام ، إلا على اعتبار متنه الذي أضيف إليه ، وإلا فإن الحكم الذي يقع من الباحث على = الإسناد يكون مجرد عبارة عن أ؛وال عامة لرواة ، استخلصها من كتب التراجم ، ولا يكون لذلك الحكم صلة برواية هذا المتن البتة .

ولذلك فإن النقاد ينظرون في الحديث لمعرفة مدى صحته عن كل من أضيف إليه هذا الحديث على الشكل الآتي:

ماذا قال الحميدي عن سفيان سندًا ومتنًا ؟

هل سمع الحميدي من سفيان هذا الحديث ؟

هل رواه الحميدي كما حدثه سفيان ؟

أو بعبارة أخرى:

هل حدث الحميدي ذلك الحديث بحيث يطابق المعروف عن سفيان ؟

على هذا النحو يتسق النظر في جميع من أشيف إليه الحديث من الرواة حتى ينتهي إلى الصحابي.

لمزيد من المعلومات حول دراسة الحديث سندًا ومتنًا راجع كتاب (كيف ندرس علم تخريج الحديث) للمؤلف .

ولا يتم تحري هذه الأمور إذا كان النظر في الحديث متكاملًا وشاملًا للإسناد والمتن ، ولا ينبغي فصل الإسناد عن المتن عند الحكم على الحديث ، بل يجب أن يكون الحكم تابعًا لطبيعة الرواية .

لذا يجب أن يكون لدى الناقد من الخلفية العلمية ما يمكنه من معرفة ما يلي:

كيف كان يروي الثقات ذلك الحديث .

كيف ذكر الحديث في أصول شيخهم .

ما مصدر هذا الحديث .

وغيرها من الأمور التي تتصل بالواقع الحديثي ، كما سبق التوضيح .

هل استوفى هذا الحديث العناصر الثلاثة: عدالة الراوي ن وعدم وقوع الخطأ منه ، واتصال السند؟

أما عدالة رواة هذا الحديث فإنهم جميعًا معروفون بصلاحهم وصدقهم بين أهل الحديث ، لاسيما يحيى بن سعيد ومحمد بن إبراهيم وعلقمة ، الذين يشكلون المصدر الرئيس لهذا الحديث ، والمدار الكلي لجميع الروايات المتفرعة .

وفي مثل هذا الحديث الذي تفرده به يحيى بن سعيد ومحمد بن إبراهيم وعلقمة ، الذين عن عمرو فإن أحوال رواة هذه السلسلة التي دارت عليها الروايات كلها تكون محل عناية بالغة لدى النقاد ، وأما الروايات المتفرعة عنها فلا حاجة لترجمة أصحابها ترجمة معللة ومفصلة لأنهم متفقون سندًا ومتنًا.

وأما إذا اختلفوا ، فتكون ترجمة الأطراف المختلفة أمرًا ملحًا ليتم الترجيح فيما بينهم ، (انظر تفصيل هذا الموضوع في كتاب كيف تدرس علم تخريج الحديث للمؤلف) .

أما عن اتصال السند فقد وجدنا الرواة يصرح كل منهم بمصدره الذي سمع منه هذا الحديث؛فقول =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت