فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 87

لقد اشتهر لدى كثير من المشتغلين بعلم الأصول والفقه وبعض متأخري المحدثين ممن تأثروا بعلم المنطق أن الأحاديث لا تفيد إلا الظن لكونه خبر آحاد ، ومن ثم زعموا ضرورة التفريق بين العبادات والعقائد في احتجاجهم بخبر الآحاد ، مستندين إلى أن العقيدة ينبغي أن يكون أساسها اليقين .

بيد أن الأمر يصطدم بالواقع التاريخي لسلف الأمة ؛ فقد ثبت بيقين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل إلى جهات مختلفة آحاد الصحابة لدعوة الناس إلى دين الإسلام ، العقيدة أولًا ، ثم العبادات ثانيًا ، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستثني العقيدة مما يبلغ به عن طريق الآحاد ، ولو لم يكن قبول خبر العدل في أمور الدين كلها - وأهمها العقيدة - واجبًا في الحالات التي تتوفر القرائن فيها على صدق المبلغ ، ما بعثه صلى الله عليه وسلم إلى القبائل والأمم ممن يعيشون بجوار المدينة .

ومن أبرز الأدلة على صحة ما ذكرنا من عدم التفريق بين العقيدة وغيرها في الاحتجاج بخبر الآحاد ، أن الله تعالى أرسل الأنبياء آحادًا ليبلغوا الناس أمور دينهم من غير انفكاك بين العقيدة والعبادة ، وليس فينا أحد يدعي أن ما بلغه نبي منهم أو مرسل لا يفيد إلا الظن باعتبار كونه واحدًا ، بل كلنا متفقون على إفادة القطع لكونه نبيًا صادقًا ، مؤديًا بالمعجزات (1) .

(1) من الجدير بالذكر أن النظر في الحديث يجب أن يكون من زاويتين: الرواية والعمل ، وذلك لأن المقصود من الأحاديث العمل بها ، قولًا أو عملًا ، وعلى هذا فلا مناص من أن يوجد في الأمة من يعلمها ويعمل بها ، منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا ، من غير أن تتحول الأحاديث إلى مجرد فن الرواية ولا إلى (آيات متلوة) دون العمل بها .

وذلك لاستحالة كون الحديث مرويًا عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يعمل به سابقًا، إلا إذا كان منسوخًا ، ولهذا اشترطوا في الصحيح خلوه من الشذوذ والعلة ، ولهذا الشرط مغزى بعيد المدى، إذ يتعدى حدود المخالفة بين رواته ليشمل مخالفته الواقع العملي على مستوى طبقة الصحابة والتابعين أو بعضهم ، وحين يقترن الحديث بالعمل ترتفع الأحاديث النبوية من إفادة الظن إلى درجة إفادة القطع ، ولا يكون العلم بذلك إلا عند نقاد الحديث ممن لديه فقه القرائن .

وقد سبق ما يدل أكثر من مرة أن منهج النقاد في التصحيح والتعليل قائم على هذا الأساس الذي يتمثل في اعتبار موافقة الحديث الواقع العملي والواقع الحديثي ، ويتبلور ذلك بوضوح في صنيع =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت