لقد اشتهر لدى كثير من المشتغلين بعلم الأصول والفقه وبعض متأخري المحدثين ممن تأثروا بعلم المنطق أن الأحاديث لا تفيد إلا الظن لكونه خبر آحاد ، ومن ثم زعموا ضرورة التفريق بين العبادات والعقائد في احتجاجهم بخبر الآحاد ، مستندين إلى أن العقيدة ينبغي أن يكون أساسها اليقين .
بيد أن الأمر يصطدم بالواقع التاريخي لسلف الأمة ؛ فقد ثبت بيقين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل إلى جهات مختلفة آحاد الصحابة لدعوة الناس إلى دين الإسلام ، العقيدة أولًا ، ثم العبادات ثانيًا ، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستثني العقيدة مما يبلغ به عن طريق الآحاد ، ولو لم يكن قبول خبر العدل في أمور الدين كلها - وأهمها العقيدة - واجبًا في الحالات التي تتوفر القرائن فيها على صدق المبلغ ، ما بعثه صلى الله عليه وسلم إلى القبائل والأمم ممن يعيشون بجوار المدينة .
ومن أبرز الأدلة على صحة ما ذكرنا من عدم التفريق بين العقيدة وغيرها في الاحتجاج بخبر الآحاد ، أن الله تعالى أرسل الأنبياء آحادًا ليبلغوا الناس أمور دينهم من غير انفكاك بين العقيدة والعبادة ، وليس فينا أحد يدعي أن ما بلغه نبي منهم أو مرسل لا يفيد إلا الظن باعتبار كونه واحدًا ، بل كلنا متفقون على إفادة القطع لكونه نبيًا صادقًا ، مؤديًا بالمعجزات (1) .
(1) من الجدير بالذكر أن النظر في الحديث يجب أن يكون من زاويتين: الرواية والعمل ، وذلك لأن المقصود من الأحاديث العمل بها ، قولًا أو عملًا ، وعلى هذا فلا مناص من أن يوجد في الأمة من يعلمها ويعمل بها ، منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا ، من غير أن تتحول الأحاديث إلى مجرد فن الرواية ولا إلى (آيات متلوة) دون العمل بها .
وذلك لاستحالة كون الحديث مرويًا عن النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يعمل به سابقًا، إلا إذا كان منسوخًا ، ولهذا اشترطوا في الصحيح خلوه من الشذوذ والعلة ، ولهذا الشرط مغزى بعيد المدى، إذ يتعدى حدود المخالفة بين رواته ليشمل مخالفته الواقع العملي على مستوى طبقة الصحابة والتابعين أو بعضهم ، وحين يقترن الحديث بالعمل ترتفع الأحاديث النبوية من إفادة الظن إلى درجة إفادة القطع ، ولا يكون العلم بذلك إلا عند نقاد الحديث ممن لديه فقه القرائن .
وقد سبق ما يدل أكثر من مرة أن منهج النقاد في التصحيح والتعليل قائم على هذا الأساس الذي يتمثل في اعتبار موافقة الحديث الواقع العملي والواقع الحديثي ، ويتبلور ذلك بوضوح في صنيع =