فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 87

المثال الثالث :

روى الإمام النسائي عن طريق أبي الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أشربوا في الظروف ولا تسكروا".

ثم قال النسائي:"وهذا حديث منكر ، غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم ، لا نعلم أن أحدًا تابعه عليه من أصحاب سماك بن حرب".

قال الإمام أحمد:"كان أبو الأحوص يخطئ في هذا الحديث" (1) .

فرأينا الإمام النسائي في هذا المثال قد وصفه بأنه منكر ، مع كون راويه ثقة متقنًا ، وذلك لأن الحديث غير معروف عن سماك ، وأشار إلى ذلك بقوله:"لا نعلم أن أحدًا تابعه عليه من أصحاب سماك بن حرب"، بينما عبر الإمام أحمد عن ذلك بأنه خطأ .

وبهذه النصوص يتجلى بوضوح أن أصل المعنى في المنكر هو الخطأ (2) .

(1) كتاب الأشربة باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أباح شراب السكر 8/913 .

(2) مما يفيدنا في تأسيس فكرة منهجية واضحة حول هذا المصطلح ، ومنهج النقاد في تعليل الأحاديث به الوقوف على نصوصهم في معنى المنكر .

نصوص النقاد حول المنكر:

أولًا: نص الإمام مسلم ، يقول:

"وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضًا عن حديثهم ، وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم ، أو لم تكد توافقها ، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك (يعني المخالفة أو عدم الموافقة) كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا مستعملة". (صحيح مسلم 1/7) .

وعلى هذا القول يكون المنكر عبارة عن مخالفة الراوي الثقات ، سواء أكانت المخالفة صريحة وواضحة ، أم غير ذلك ، كان لا يوافقهم في جميع الحديث ، وسياقه عمومًا .

وإذا كثرت هذه المخالفة ، وغلبت في رواية الراوي أصبح متروك الحديث لا يشتغل بحديثه ؛ لا رواية ولا كتابة .

من الجدير بالذكر أن قول الإمام مسلم يشمل مرويات الثقة والضعيف سواء بسواء ، كما يتضح من قوله:"فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبولة ولا مستعملة"، ومفهومه أنه إذا لم يكن الأغلب من حديثه كذلك لا يكون الراوي متروك الحديث ، بل قد يكون الراوي ثقة أو صدوقًا أو ضعيفًا ، غير أن المخالفة تضر الحديث الذي وقعت فيه ، دون أن تؤثر في حالة الراوي العامة .

كما يتضمن قوله ، التفرد بما لا أصل له ، لتلازمه مع المخالفة التي صرح بها ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ، وبالتالي لا يدل قوله على أن الإمام مسلمًا يقبل جميع أنواع التفرد من الراوي ، لمجرد أنه لم يذكر هنا إلا المخالفة .

ثانيًا: نصوص الإمام البرديجي:

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: لم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث وتعريفه إلا على ما ذكره الحافظ أبو بكر البرديجي وكان من أعيان الحفاظ المبرزين في العلل: =

= أن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة ، أو عن التابعين عن الصحابة ، لا يعرف ذلك الحديث - وهو متن الحديث - إلا عن طريق الذي رواه فيكون منكرًا .

ذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة أو سعيد بن أبي عروبة أو هشام الدستوائي بحديث عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف ذلك المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر . اهـ. (شرح العلل 2/65) .

ونقل ابن رجب عن البرديجي أيضًا قوله:

إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا لا يصاب إلا عند الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا ، ولا يكون منكرًا ولا معلولًا . (شرح العلل 2/65) .

ثم نقل لنا ابن رجب مثالًا لذلك ، وهو حديث عمرو بن عاصم عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنس أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني أصبت حدًا فأقمه علي) .

وقال البرديجي: هذا حديث منكر ، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم .

ثم عقبه ابن رجب قوله:

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من هذا الوجه ، وخرج مسلم معناه أيضًا من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا شاهد لحديث أنس ، ولعل البرديجي إنما أنكر الحديث ، لأن عمرو بن عاصم هو عنده في محل من لا يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد. (المصدر السابق) .

قلت: إن هذه النصوص عن البرديجي تدلنا بمجموعها على أن مطلق التفرد من الثقة لا يعد منكرًا، وإنما فقط إذا لم يكن لمتن الحديث أصل ، دون أن يتوقف ذلك على حال الراوي ، وقد ينكر الحديث مع كون راويه إمامًا ، ولذا تأويل ابن رجل بأن عمرو بن عاصم عنده في محل من لا يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد ، فيه نظر .

وأما إذا كان المتن معروفًا ، ولم يكن منكرًا ولا معلولًا فلا يضره كونه مرويًا من جهة واحدة، وأن لا يوجد إلا عند الراوي الواحد .

ومن الجدير بالذكر أن الإمام البرديجي لا يعني بنصوصه السابقة أنه يربط مصطلح المنكر بالتفرد، دون المخالفة ، كما لا يعني ما سبق نقله عن الإمام مسلم أنه يذهب إلى تخصيص المنكر بحالة المخالفة.

وإن كان ذلك هو الذي يتجلى من ظاهر نصوصها لمن ينظر فيها من زاوية المنطق في صياغة التعريفات ، فإن الذي يتعين اعتماده هو ما يدل عليه مجموع نصوص هذين الإمامين مع تطبيقاتهما العملية ، حيث يفسر بعضها بعضًا ، لا سيما وبين التفرد والمخالفة تلازم قد يظهر وقد لا يظهر ؛ يظهر حين المشاركة بين الرواة في الرواية مع اتحاد مخرجهم ، ولا يظهر ذلك حين ينفرد الراوي بما ليس عند الآخرين من معاصريه ، لكنه لا يخلو من كونه مخالفًا مع الآخرين في ذكر الحديث عن شيخهم ، وإضافة إليه .

= ولذلك وجدنا الإمام مسلمًا يستغني بذكر حالة المخالفة عن التفرد ، كما وجدنا البرديجي يكتفي بذكر التفرد ، وليس غرضهما إخراج ما لم يتطرقا إليه من المخالفة أو التفرد .

ومن هنا أصبح صنيع الإمام ابن الصلاح في الجمع بين المخالفة والتفرد في مفهوم الشاذ والمنكر، والتسوية بينهما أمرًا مقبولًا ومستقيمًا .

وعليه فإن كان التفرد بما لا أصل له يعد منكرًا مردودًا فمن باب أولى أن يكون ما خالف فيه الراوي الثقات منكرًا مردودًا ، لكونه أوضح في تفرده بما لا أصل له من خلال مخالفته الثابت المعروف .

وأما المثال الذي ذكره ابن رجب فيمكن القول بأن البرديجي لم يكن قد استحضر ما ورد عن أبي أمامة من الشاهد ، وإلا فحسب معنى المنكر الذي أوضحه لن يكون حديث عاصم بن عمرو منكرًا ولا وهمًا ، لكون متنه مرويًا من جهة أخرى .

وإذا كان قصد البرديجي بالتفرد واضحًا من مجموع نصوصه ، فإن قول الحافظ ابن حجر:"مذهب البرديجي أن المنكر هو الفرد سواء تفرد به ثقة أو غير ثقة"فيه إطلاق فيما ينبغي تقييده .

وقد جاء هذا التقييد بوضوح حين عقب الحافظ ابن رجب على قول البرديجي بقوله:"فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ ، مثل حماد بن سلمة وهمام وأبان والأوزاعي ننظر في الأحاديث ؛ فإن كان الحديث يحفظ من غير طريقهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن أنس بن مالك من وجه آخر لم يدفع ، وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا من طريق أنس إلا من رواية هذا الذي ذكره لك كان منكرًا. (شرح العلل 2/654) ."

وفي ضوء هذا النص الصريح لا ينبغي القول إن البرديجي يعتبر مطلق التفرد منكرًا . وإنما يتعين علينا أن نقول: إنه لا يعد ذلك منكرًا إلا بالقيد الذي سبق ذكره ، وهو أن لا يكون المتن أصل ، ولذلك نرى البرديجي وغيره من الأئمة يعلون الحديث بالنكارة ، وأما أن يرد الحديث بمطلق تفرده فلم يعرف إلا عن المعتزلة . والله أعلم .

وممن قيل إنه يستخدم لفظه المنكر في مطلق التفرد الإمام يحي بن سعيد القطان والإمام أحمد. وفي الواقع أنهما لم يعتبرا مطلق التفرد منكرًا ، وإنما ذلك يكون كما شرحنا آنفًا عن البرديجي .

وبهذه النصوص الواردة في موضوع المنكر والشاذ ، ومن خلال المقارنة بينهما يتبين جليًا أن ما قيل في المنكر هو ذاته قيل في اشاذ من التفرد أو المخالفة ، وأنهما ليسا على إطلاقهما وإنما على القيد الذي سبق ذكره ، وهو التفرد بما لا أصل له ، ومخالفة الحديث الأمر الواقع رواية أو عملًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت