يقول ابن الصلاح:
العلة:"عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة في صحة الحديث"والحديث المعلل: هو الحديث الذي أطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره لسلامة منها" (1) ."
وتبعه اللاحقون في كتبهم ، ومفاد هذا التعريف أن العلة عبارة عن شيء خفي غامض يقدح في صحة الحديث ، دون أن يوضح حقيقة هذا الشيء ، وما هذا الشيء ؟ ، ومما لاشك فيه أن الانقطاع - وإن كان قادحًا في صحة الحديث - لا يكون مقصودًا هنا ، لكونه ظاهرًا ، وقد جاء التعريف مقيدًا بأن يكون القادح خفيًا غامضًا ، وفي السياق الثاني بسلامة ظاهر السند.
وكذا يفهم من السياقين أن الحديث الذي رواه الضعيف لا يصدق عليه تعريف العلة، لأن ضعف الراوي ظاهر أيضًا ، وليس غامضًا خفيًا (2) .
والذي يعتمد هذا التعريف لبناء تصوراته حول هذا المصطلح - دون أن يبحث معناه في الجانب التطبيقي لنقاد الحديث ، حيث إن هذا الجانب التطبيقي يشكل المرجعية الأصيلة لعلوم الحديث - ليس بمقدوره استيعاب موضوع العلة ، ولا معرفة وجه الاشتراك بينها وبين أنواعها، ولا فهم مصطلحات النقاد في التعليل ، ولا فقه القرائن التي يعتمدونها في ذلك (3) .
والمتتبع لكتب العلل ، وصنيع النقاد فيها ، يرى العلة عندهم أوسع مما تضمنه التعريف السابق ، وأنها عبارة عن خطأ الراوي ن سواء أكان ثقة أم ضعيفًا .
وبالتالي لا داعي لإخراج حديث الضعيف من التعريف ، ثم إن الغموض ليس شرطًا أساسيًا للعلة ، وإنما من صفاتها الطبيعية ، حيث إنها لا تعرف إلا من خلال استحضار الروايات ومقارنة بعضها ببعض ، ومعرفة ما بينها من صلة ، وفقه ما يحيط بها من قرائن وملابسات .
ومن هنا نجد تعريف العلة في كتب المصطلح يضيق معناها ، حيث صارت العلة مقيدة فيها بمرويات الثقات ، كما سبق ذلك في تعريف الصحيح ، ولفت الانتباه إلى هذا الجانب أمر له أهمية في فهم منهج القوم في التصحيح والتعليل ، ولا يلحظ القارئ ذلك ولا يقتنع به إلا إذا كان مطمئنًا بضرورة التمييز بين المرجع الأصيل والمصدر المساعد في علوم الحديث .
وبعد ، فإنه من المفيد أن نلخص موضوع العلة بما يلي:
العلة تكون عبارة عن خطأ الراوي .
تطلق العلة على حديث الثقة وحديث الضعيف سواء بسواء .
تكون العلة من خلال مخالفة الراوي الأمر الواقع ، أو تفرده بما ليس له أصل .
يشكل هذا النوع من المخالفة والتفرد أهم معالم منهج المحدثين في التعليل .
وبعد هذه الفكرة المنهجية الواضحة حول مفهوم العلة عمومًا ننظر فيما يتفرع عنها من الأنواع ، وإن كان مصطلحات هذه الأنواع وتعريفاتها مختلفة فإن القدر المشترك بينها يتمثل دائمًا في خطأ الراوي ، سواء أكان ثقة أم ضعيفًا (4) . وفيما يلي بيان هذه الأنواع ؛ أولًا: الشاذ .
(1) مقدمة ابن الصلاح ، ص90 .
(2) قد يشكل على تعريف ابن الصلاح بأنه لم يكن مانعًا من دخول الإرسال الخفي ، والتدليس فيه، لأن التعريف يصدق عليهما ؛ إذ هما من الأسباب القادحة في صحة الحديث مع الغموض والخفاء.
ومن المعلوم أن الإرسال الخفي والتدليس لا يعرفان بمجرد عنعنة الراوي أو المدلس ، بل بجمع الروايات ، وأما إذا قلنا إن العلة عبارة عن خطأ الراوي ، فيكون المعنى واضحًا ومانعًا من دخول التدليس والإرسال الخفي ، فيها إذا لا صلة لهما بالخطأ ، وإن كان كل منهما قادحًا في صحة الحديث.
ومن الجدير بالذكر أنه قد ورد إطلاق العلة في كلام النقاد في مطلق القدح ، ظاهرًا كان أم خفيًا ، وذلك تمشيًا مع دلالتها اللغوية ، كقولهم في الحديث المرسل: (هذا حديث لا يصح وفيه علة) ، يقصدون بها الإرسال ، أو (وفيه علة الإرسال) مثلًا ، فإن الانقطاع مما يمنع العمل والاحتجاج بالحديث ، كما تطلق العلة على الحديث المنسوخ ، لكونه خارج نطاق العمل به .
(3) ههنا لفتة علمية لابد من التلويح بها ، وهي:
أن كثيرًا من المتأخرين والمعاصرين يجعلون أحاديث الثقات ميدان وقوع العلة والشذوذ ، ويفرقون بينهما في التعريف ، وفي الوقت ذاته نراهم يصححون الحديث لمجرد كون رواته ثقات ، على الرغم من مخالفة أحدهم لمن هو أوثق منه ، أو تفرده بما لا يعرفه الآخرون ، ثم يستدلون به في الأحكام الفقهية أو العقدية ، أو في الدفاع عن مذهب أو رأي يذهبون إليه .
وإذا وقفوا على أن الحديث قد أعله ناقد بالتفرد أو المخالفة يعقبون عليه بقولهم:"كلا ! إنه ثقة لا يضر تفرده"، أو"زيادة الثقة مقبولة".
أو ليس هذا مفارقة عجيبة في مواقفهم ، وتناقضًا صريحًا بين الحكم النظري والعمل التطبيقي ! إذ يجعلون العلة والشذوذ خاصتين بما رواه الثقة نظريًا ، بينما يجعلونهما مقيدين بما رواه الضعيف علميًا، وكأنهم لا يرفضون الحديث ولا يعلونه إلا إذا كان روايه ضعيفًا .
(4) إن كان يمكن تقسيم العلة إلى نوعين باعتبار حال الراوي ، فإن كان ثقة فشاذ ، وإن كان ضعيفًا فمنكر ، بناءً على كتب المصطلح ، غير أننا لا نجد لذلك دليلًا ملموسًا في صنيع النقاد ؛ إذ لم يستخدموا في كتب العلل مصطلح الشاذ ، بل استخدموا عبارات مختلفة واضحة ، ثم إنهم يطلقون المنكر على مرويات الثقات والضعاف ، لكنه في الضعفاء أكثر وأشهر .