وهو الحديث الذي لم يذكر المحدث أو المؤلف مبتدأ إسناده ، إما بحذفه راويًا من أول السند أو أكثر ، أو بحذف الإسناد كله .
ويأتي التعليق عادة بعبارات مختلفة يبدأ بها المؤلف روايته للحديث ؛ مثل: (قال) ، و (ذكر) ، و (روى) ، و (عن) ، و (قيل) ، و (ذكر) ، (روي) ، و (يذكر) ، و (يروي) وغيرها من العبارات التي تدل على إسقاط المؤلف مبتدأ إسناد الحديث له كله .
مثاله: أن يقول البخاري في كتابه الصحيح:
( قال محمد بن جعفر: حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومحمد بن جعفر لم يعاصره البخاري ، بل هو شيخ شيخه(1) .
أو يقول: (قال شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم) .
أو: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
أو يقول: (روي عن شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم) .
ومن التعليق (البلاغات) التي كان يروي بها الإمام مالك كثيرًا في كتابه الموطأ وهي قوله: (بلغني عن أبي هريرة) .
وغاية ما في (المعلق) أنه منقطع أو معضل ، لا يدرى من الراوي الذي سقط من السند؟ ولسبب الانقطاع في مبتدأ سند الحديث أصبح ضعيفًا . غير أن هذا الانقطاع ينجبر ، ولا يضر في قبول الحديث ، أو صحته ، إذا تبين الساقط من طرق أخرى ، أو جاء الحديث من طريق آخر، وقد يكون الحديث المعلق صحيحًا ، وقد يكون حسنًا ، تبعًا لحال الراوي الذي سقط من الإسناد ، وملابسات روايته .
وكثيرًا ما تردد في صحيح البخاري أحاديث معلقة ، وإن كانت هذه الأحاديث المعلقة منقطعة ، فإنها لا يحكم بضعفها ولا بصحتها مطلقًا ، وبما أن الإمام البخاري قد يعلق في موضع حديثًا ، قد رواه متصلًا في موضع آخر ، فإن أحكامه تكون على التفاصيل التي حققها الحافظ ابن حجر بعد استقرائه لما في الصحيح من الأحاديث المعلقة ، ومناسبة روايتها فيه ، وعليه فإن الأحاديث المعلقة فيها ما هو صحيح أو حسن أو ضعيف .
ومن التفاصيل التي شرحها الحافظ ابن حجر في كتابه النكت ما علقه البخاري بصيغة الجزم ، فذلك يفيد صحته عمن علق عنه ، مثاله:
قول البخاري في الصوم:"وقال صلة عن عمار من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم"، وهذا التعليق جاء - كما ترى - بصيغة الجزم ، وهي تفيد صحته عن صلة ، بغض النظر عن مدى صحة رواية صلة عن عمار ومدى اتصاله وانقطاعه ، ويتوقف الحكم بصحة الحديث أو ضعفه على طبيعة رواية صلة عن عمار .
أما المعلق بصيغة التمريض فليس فيه حكم بصحته عمن علق الحديث عنه ولا بضعفه، لأنه قد يكون صحيحًا وقد يكون ضعيفًا ، وهذا بخلاف الذي استقر لدى المتأخرين من أن ضيغة التمريض لا تستعمل سوى في الضعيف (2) .
أما قول البخاري: (قال لنا) أو (قال لي فلان كذا) أو (زادني فلان كذا) ونحو ذلك فلا يكون معلقًا ، لأنه لم يحذف أحدًا من مبتدأ السند ، ويكون حكمه الاتصال .
وقد يستخدم الإمام البخاري تلك الألفاظ في صحيحه بخلاف عادته في الرواية ، إما لأنه قد سمعه من شيخه أو غيره في المذاكرة ، أو أخذه من شيخه عرضًا أو إجازة ، كما قيل ذلك من التوجيهات حين روى البخاري حديث المعازف معلقًا بصيغة: (قال هشام ...) وهشام هذا من شيوخه .
لذا فإنه كلما ترد في الإسناد كلمة (قال) ونحوها يعتبر تعليقًا ، وإنما في حال حذف مبتدأ السند فقط ، وأما إذا وقعت كلمة (قال) في أثناء السند فهي مثل العنعنة بتفاصيلها السابقة في الموضوع الأول .
هذا كله بالنسبة إلى صحيح الإمام البخاري ، وأما صحيح مسلم فإن الأحاديث المعلقة فيه قليلة لم تتجاوز أثنى عشر حديثًا ، كما حققه ابن الصلاح في مطلع شرحه لصحيح مسلم .
(1) كان البخاري يروي ويقول:"حدثني عندر عن محمد بن جعفر عن شعبة عن قتادة عن أنس .."، وفي المثال حذف البخاري شيخه ، ولا يدري من شيخه هنا ، لعله غندر أو غيره.
(2) والجدير بالذكر أن الإمام البخاري يكثر من إيراد هذا النط من الأحاديث المنطقعة في صحيحه الذي لا يستقيم فيه سوى الأحاديث المتصلة والمرفوعة ، وله في ذلك أغراض علمية ، منها ما يلي:
فقهي: وهذا يقع كثيرًا في تراجم الأبواب .
إسنادي: مثل إثبات الاتصال والسماع .
نقدي: مثل شرح الاختلاف والعلة ، وهذا يقع في الغالب خارج التراجم .