الضعيف الذي ينجبر ضعفه بتعدد الطرق والمصادر (1)
يتمحور الموضوع الأخير من الوحدة الأولى على الحديث الذي لم يتوفر لدى الناقد ما يدل على خطئه وصوابه من القرائن ، ولذا يكون هذا النوع من الأحاديث مترددًا بين الصحيح والمعلول ، غير أنه لم يرتق إلى الصحيح الذي تبين صوابه ، كما أنه لم ينزل إلى الضعيف الذي تبين خطؤه ، ولذا تكون درجته مختلفة المستويات ، في القبول والاحتجاج وجواز العمل ، وبقدر اقترابه من أحد الطرفين: الصحيح والمعلول ، حسب وجود العواضد الخارجية وعدمها ، يحدث اضطراب في موقف الناقد تجاهه ، لا سيما إذا تساهل أحد فصححها ، أو تشدد فتركه (2) .
يقول الذهبي في هذا الصدد:
"ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج جميع الأحاديث الحسان فيها ، فأنا على أياس من ذلك ، فكم من حديث تردد فيه الحفاظ هل هو حسن ، أو ضعيف ، أو صحيح ، بل الحفاظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد ، فيومًا يصفه بالصحة ويومًا يصفه بالحسن ، ولربما استضعفه" (3) .
ويتضمن هذا الموضوع ما يأتي:
جميع أنواع الانقطاع ، ظاهرًا كان أو خفيًا ، وتتقوى كلها بالعواضد .
الحديث الذي رواه ضعيف مقبول ، ولم تدل القرائن على خطئه أو صوابه .
الحديث الحسن الذي تقوى بالمتابعات والشواهد .
ضوابط تقوية الحديث الضعيف .
ما يصلح للمتابعة والشاهد .
إن كان يتعين التوقف عن قبول الأحاديث وردها إذا لم يتوافر لدى الناقد ما يساعده على معرفة صوابها وخطئها ، لاحتمال أن يكون لهذه الأحاديث أصل قد يكون مقبولًا أو صحيحًا أو لا يكون له أصل ، فإنه لا مانع من إطلاق الضعيف على تلك الأحاديث تجاوزًا ، والعمل بها احتياطًا لا تشريعًا (4) ، وكلما تقوى الحديث بالعوامل الخارجية كان أصلح للاحتجاج به .
ولعل من أهم القضايا التي يجب التركيز عليها في أثناء دراسة هذا الموضوع ما يأتي:
قضية تقوية الحديث الضعيف .
الحديث الضعيف الذي يصلح للمتابعة والشواهد .
وبقدر تحرير هاتين القضيتين في ضوء منهج المحدثين النقاد ، دون خلطه بمناهج الفقهاء، تتم معالجة الاختلافات الفقهية والعقدية والسلوكية التي يعود سببها إلى عدم احترام الباحثين، قواعد تقوية الحديث الضعيف بالمتابعات والشواهد عن المحدثين النقاد الذين هم المرجعية الأصيلة في علوم الحديث .
لذا يتعين علينا تأسيس فكرة منهجية واضحة وسليمة حيال هاتين المسألتين ، قبل الدخول في تفاصيلهما ، وهو الهدف من دراسة هذا الموضوع من الوحدة الأولى ، وذلك كما يلي:
إن الحديث الضعيف الذي ينجبر ضعفه بالمتابعات والشواهد هو كل حديث لم يتبين للناقد فيه خطأ مما رواه الضعيف غير المتروك . وهذا النوع من الحديث هو وحده يصلح للمتابعة والشاهد دون غيره من أنواع الضعيف .
أما ما تبين خطؤه فلا ينجبر ؛ لا بالمتابعات ولا بالشواهد ، كما لا يصلح ذلك للمتابعة والشواهد أيضًا ، والخطأ أبدًا خطأ ، وإن رواه ثقة أو إمام . ومن المعلوم أن قبول الأحاديث وردها ليس تابعًا لحال الراوي دائمًا .
وبناء على هذا الواقع فإن الحديث الذي أعله النقاد بتفرده ، أو عدم وجود متابعة له ، أو غرابته ، أو نكارته ، فلا ينبغي اعتماد ذلك الحديث المعلول في تقوية الأحاديث ، ولا اعتباره متابعة ولا شاهدًا ، لمجرد كون روايه ثقة أو ضعيفًا غير متروك ، أو لعدم وضوح سبب تعليلهم له (5) .
والجدير بالذكر أن هذا التأصيل العلمي يساعد الباحث على حل كثير من الخلافات الفقهية وغيرها التي يعود سببها إلى عدم التقيد بما اعتمده نقاد الحديث من القواعد والضوابط في تقوية الأحاديث (6) .
وبعد أن أخذنا فكرة منهجية واضحة حيال مسألة تقوية الحديث الضعيف ومنهج المحدثين فيها ، فإن دخولنا في تفاصيلها ، ومعرفة أنواعها وما ورد فيها من المصطلحات أصبح مناسبًا (7) .
(1) إذا رجعنا إلى أسلوبنا الشخصي في معالجة الأخبار التي تنقل إلينا ، وجدنا أن الخبر إذا كان ناقله قد أخطأ فيه وأصبح خطؤه معروفًا لدى المخاطب من خلال ممارسته مع الجو العام لموضوع الخبر، أو من خلال حياته في محيطه ، أو غير ذلك ، فإنه - وإن جاء من مصادر متعددة - يبقى ذلك الخبر لديه خطأ. وأما إذا لم يكن كذلك فالخبر يزداد قوة كلما تعددت مصادره .
هذا طبعًا بالنسبة إلى من لديه خلفية أو صلة بملابسات الخبر ، وأما الذي يعيش بعيدًا عن موضوع الخبر الذي ينقل إليه ، وليس له صلة به ، فإنه لا يسعه إلا أن يقلد ناقل الخبر ، وكلما تعددت مصادر الخبر يتقوى انطباعه تجاه ذلك الخبر . وهذا بعينه سنراه في الحديث الضعيف ومنهج المحدثين النقاد في تقويته بتعدد المصادر .
(2) الجدير بالذكر أن موضوع تقوية الحديث الضعيف ، الذي نحن بصدده لا يشمل تقويته برواية الثقات الموافقة له ؛ إذ تجعله متابعتهم حديثًا صحيحًا ، وهو الذي سبق بيانه في الموضوع الأول من الوحدة الأولى .
(3) الموقظة ، ص27 .
(4) هذا النوع من الضعيف يكون هو المقصود بقول الإمام أحمد وغيره من الأئمة بتقديم الحديث الضعيف على الراوي ، إذ الحديث الضعيف الذي لم يتبين للناقد خطؤه يحتمل أن يكون قولًا للنبي صلى الله عليه وسلم ، كما يحتمل كونه موقوفًا على صحابي أو تابعي ، وأما الرأي فليس فيه احتمال إلا لأن يكون رأي شخص ، وكذلك الأمر فيما إذا تبين الخطأ في رفعه ، فحينئذ لا يقدم على الرأي ، لأنهما سواء .
وللأسف فإن كثير من المعاصرين يظنون أن الحديث الضعيف الذي قال الإمام أحمد بتقديمه على الرأي، وهو ما رواه غير المتروك على عمومه ، سواء أكان مما أخطأ فيه الراوي أم لا ، ويخلطون بذلك بين الحابل والنابل . والله المستعان .
(5) وهذا النوع من الأحاديث هو الذي كان محورًا رئيسًا في المبحث السابق .
(6) وبعد تأصيل موضوع التقوية في ضوء منهج المحدثين يكون من المفيد أن تقرأ ذلك في مقدمة ابن الصلاح وغيره من الكتب .
قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى:
"ليس كل ضعف يزول بمجيئه من وجوه ، بل ذلك يتفاوت ."
فمن ضعف يزيله ذلك ؛ بأن يكون ضعفه ناشئًاَ من ضعف حفظ راويه ، مع كونه من أهل الصدق والديانة .
فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ، ولم يختل ضبطه له .
وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال ، زال بنحو ذلك ، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذا فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر . =
= من ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ، ومقاومته ، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهمًا بالكذب أو كون الحديث شاذًا". والله أعلم ."
وإن كان هذا النص يدلك بظاهره على أن الضابط في تقوية الحديث الضعيف بالمتابعات والشواهد هو أن لا تكون هذه المتابعات والشواهد من مرويات المتروكين ، وأن لا يكون فيها شذوذ ، فإن الإمام النووي اختصر النص على النحو الذي يتبلور فيه الشروط الأول دون الثاني ؛ إذ قال رحمه الله تعالى:
"إذا روي الحديث الضعيف من وجوه ضعيفة لا يلزم أن يحصل من مجموعها حسن ، بل ما كان ضعفه ضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر وصار حسنًا ، وكذا إذا كان ضعفه بالإرسال زال بمجيئه من وجه آخر ، وأما الضعف لفسق الراوي فلا يؤثر فيه موافقته غيره".
وكذا اختصره الإمام ابن كثير ، وهذا نصه:
"قال الشيخ أبو عمرو: لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة أن يكون حسنًا ، لأن الضعف يتفاوت ؛ فمنه ما لا يزول بالمتابعات - يعني كرواية الكذابين والمتروكين - ومنه ضعف يزول بالمتابعة كما إذا كان راويه سيء الحفظ ، أو روى الحديث مرسلًا ، فإن المتابعة تنفع حينئذ ويرفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة . والله أعلم .اهـ . (اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث ، ص33) ."
لاشك أنه يفهم من هذين النصين أن المعيار في تقوية الحديث الضعيف هو حال الراوي ، فإذا كان متروكًا فلا يتقوى ، ولا يقوي غيره ، وإلا فيكون صالحًا للتقوية ، وعلى هذا الأسلوب الذي يقوم على حال الراوي استقر عمل كثير من المتأخرين وجمهور الباحثين المعاصرين ؛ بل جعلوه قاعدة مسلمة .
والواقع أننا إذا اعتمدنا ظاهر هذه النصوص في بناء تصوراتنا حول مسألة تقوية الحديث الضعيف، دون عرضها على منهج النقاد فيها فإننا نكون قد قصرنا في فهم هذه المسألة بأبعادها النقدية، وبالتالي تصبح نصوص النقاد في التعليل ، مشكلًا علينا دائمًا ، لما فيها من إطلاق أو إبهام ، وقد يكون ما قصدوه غير ظاهر من سياق النص ، والخطورة في ذلك أننا لا نشعر بوقوع تقصير في فهمنا؛ بل يسودنا الغرور .
والمتتبع لنصوص النقاد يراهم فيها يحكمون على حديث بغرابته ، وتفرد الراوي به وعدم وجود متابعة له ، مع أنهم قد رووا الحديث من طرق أخرى تبدو في ظاهرها أنها متابعات لذلك الراوي ، أو شواهد ، ومن لا يعرف منهجهم في التعليل والتصحيح يجد نفسه مضطرًا إلى رفض الحكم الذي صدر منهم في هذا المجال بما رووه هم أنفسهم من الروايات ، وليس بما اكتشفوا من الروايات ، بل قد يأتون بما وقع فيه الوهم من الرواة المتأخرين للرد على أولئك النقاد ، ويقولون في ذلك:
"هذه متابعات تامة ، أو ناقصة ، ولم تكن من مرويات المتروكين ، وبمجموعها يتقوى الحديث، وتزول غرابتها ، ويصير حسنًا لغيره أو صحيحًا لغيره". =
(7) وإذا جعلنا ما ورد في نصوص الإمام ابن الصلاح وغيره من اللاحقين في مسألة المتابعة والشاهد وتقوية الحديث الضعيف بها ، مقيدًا محصورًا في الحديث الضعيف الذي لم يتبين فيه الخطأ ، دون حمله على جميع أنواع الضعيف سوى حديث المتروك ، فإننا نكون بذلك قد وفقنا بين التعريفات ونصوص المتأخرين في تفاصيلها وبين منهج المحدثين القدامى ، وربطنا بينها ربطًا صحيحًا .
( ) الواقع أننا بحاجة ملحة إلى مزيد من النظر في نصوص نقاد الحديث وتطبيقاتهم العملية ، باعتبارهم المرجعية الأصيلة لجميع مسائل علوم الحديث ، ثم العرض عليها ما جاء في كتب المصطلح من التعريفات والمسائل ، لا سيما معالجة الحديث الضعيف وتقويته بالمتابعات والشواهد ، وعمل المعاصرين في هذا المجال ، وذلك لتكون الفكرة المنهجية حول هذا الموضوع مؤسسة بجميع أبعادها. ولذا أنصح القارئ بقراءة كتاب الشيخ طارق عوض الله (الإرشادات) ، وهو من أحسن ما كتب في هذا الموضوع في رأيي . جزاه الله خيرًا .
وأنت إذا تتبعت أحاديث الأحكام - مثلًا - وجدت فيها النقاد يقولون مرة: لا يصلح في هذا الباب شيء ، أو هذا حديث تفرد به فلان ، على الرغم مما رووه من أحاديث الباب . وفي أخرى يقولون: هذا حديث حسن ، وقد روى من غير وجه ، يعني وجود تفاصيل دقيقة في تقوية الحديث الضعيف بالضعيف .