مما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في هذه المناسبة وجود تباين منهجي بين المحدثين النقاد وبين غيرهم كمتأخري المحدثين ، والفقهاء وأئمة الأصول في التصحيح والضعيف ، وذلك تفاديًا للخلط بين المعنيين المختلفين لمصطلح الصحيح ، وتفسير ما صححها الفقهاء أو المتأخرون في ضوء منهج النقاد أو بالعكس.
لذلك أشار إلى ذلك التابين المنهجي للإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى بعد تعريف الصحيح (1) بقوله:
"فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث" (2) .
يعني بأهل الحديث نقاد الحديث المتقدمين ، ومن سار على نهجهم ، فإنهم هم الذين يصححون الحديث بعد تأكدهم من سلامة الحديث من الشذوذ والعلة ، أي من الغرابة والمخالفة المردودتين .
وتبعه كل من صنف في مصطلح الحديث عمومًا ، في تخصيص ذلك التعريف بأهل الحديث دون غيرهم من الفقهاء وعلماء الأصول .
وأوضح ابن دقيق العيد منهج الفقهاء والأصوليين بقوله:
"ومداره (يعني الصحيح) بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التيقظ ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة ، على ما قرر في الفقه ، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندًا" (3) .
كما بينه أيضًا في شرح الإلمام:"إن لكل من أئمة الفقه والحديث طريق غير طريق الآخر، فإن الذي تقتضيه قواعد الأصول والفقه أن العمدة في تصحيح الحديث عدالة الراوي وجزمه بالرواية ، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه ، فمتى حصل ذلك ، وجاز ألا يكون غلطًا ، وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه من الوجوه الجائزة، لم يترك حديثه".
وقال الصنعاني معقبًا عليه:
"وهو صريح في اختلاف الاصطلاحين في مسمى الصحيح من الحديث كما قررناه" (4) .
وهذا التباين المنهجي - المتمثل في أن النقاد يعتمدون في التصحيح على سلامة الحديث من الشذوذ والعلة مع عدالة الراوي واتصال السند ، وأن الفقهاء وأئمة الأصول كان تعويلهم على ظاهر السند ، أي ثقة الراوي واتصال السند ، والتجويز العقلي بأن لا يكون غلطًا - شبه متفق عليه بين الأئمة .
وفي ضوء هذا التباين المنهجي في التصحيح ينبغي تقديم المتقدمين لكونهم أدرى بالحديث ، كما هو شأن كل العلوم ، وقد ألف الناس قديمًا وحديثًا أن يقدم في كل فن أهله عند الاختلاف ، وهذا لا يعني بالضرورة أنهم معصومون من الخطأ .
ويقول السخاوي:
".. ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر لا ينكر عليهم ، بل يشاركهم ويحذو حذوهم ، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة".
"هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله ، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعن ، فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالًا نقادًا تفرغوا له وأفنوا أعمارهم في تحصيله والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين".
"فتقليدهم ، والمشي وراءهم ، وإمعان النظر في تواليفهم ، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم ، وجودة التصور ، ومداومة الاشتغال وملازمة التقوى والتواضع ، يوجب لك"
(إن شاء الله) معرفة السنن النبوية ولا قوة إلا بالله"اهـ (5) ."
ويقول أيضًا:
"وأما من لم يتوقف من المحدثين (يعني المتأخرين) والفقهاء في تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة (وهي العدالة والضبط والاتصال) صحيحًا ، ثم إذ ظهر شذوذ أو علة رده ، فشاذ ، وهو استرواح ، حيث يحكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص وتتبع طرقه التي يعلم بها الشذوذ والعلة نفيًا وإثباتًا فضلًا عن أحاديث الباب كله التي ربما احتيج إليها في ذلك ، وربما تطرق إلى التصحيح متمسكًا بذلك من لا يحسن ، فالأحسن سد هذا الباب" (6) .
والمتتبع لأسلوب عامة محدثي عصرنا في التصحيح ، يتجلى له بوضوح أنهم سالكوا مسلك الفقهاء وأئمة الأصول ، مع إغفالهم بأن ذلك يتنافى مع منهج المحدثين ، أو ربما يزعمون بأنه لا تباين بينهم في ذلك (7) !! .
(1) بغض النظر عما سبق من الملحوظات حول تعريف ابن الصلاح للصحيح عند أهل الحديث.
(2) علوم الحديث ، المشهور بت (مقدمة ابن الصلاح) ص11-13 ، (تحقيق نور الدين عتر ، ط3 ، سنة 1418هـ) .
(3) الاقتراح في بيان الاصطلاح ص186 ، (تحقيق عامر الصبري ، ط1 ، سنة 1417، دار البشائر الإسلامية ، بيروت) .
(4) توضيح الأفكار ، 1/23 .
(5) فتح المغيث 1/274 ، (إدارة البحوث الإسلامية بالجامعة السلفية ببنارس ، ط1 ، سنة 1407) .
(6) فتح المغيث 1/20 ، (تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان ، ط2 ، سنة 1388، المكتبة السلفية) .
(7) وإذا كان الذي يقوم بالتصحيح بناءً على تلك الشروط الثلاثة - قبل البحث عن مدى سلامة الحديث من شذوذ وعلة ، ثم إذا ظهر له ذلك رده - ، شاذًا ، وعمله ذلك استرواح كما قال الحافظ السخاوي ، فالذي لا يرده بعد أن عله أئمة النقد بالمخالفة أو التفرد ، ثم يعقبه بقوله: (إنه زيادة الثقة ، وهي مقبولة) ، أو (إن الراوي ثقة ، ولا يضر تفرده) ، أو بقوله:"لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة حتى البخاري دراسة وافية ، لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها"، يعني لا يقبل العلة لا بالمخالفة ولا بالتفرد ، يكون هو أغرب من الأول ، كما هو حال كثير من محدثي زماننا.
وعلى الرغم من أن هذا الموضوع المتعلق بضرورة اعتماد أقوال النقاد قد أشبع بحثًا من قبل كثير من علمائنا ، وإيراد نصوص كثيرة عن المتأخرين أنفسهم في تأييد ذلك ، فإن من الناس من ينكر علينا هذا الموقف ، متشبثًا بقول حق أريد به الباطل ، وهو أن المتقدمين ليسوا بمعصومين ، وأن منهجهم عمل اجتهادي وليس بوحي .
وإني أتساءل مع هؤلاء الإخوة:
هل سلامة الحديث من العلة شرط مهم لتصحيح الحديث عندكم ؟
الذي لا يعتبر ذلك شرطًا على أي منهج تصنفونه: منهج النقاد أو منهج الفقهاء ؟
أليس موضوع العلة معقدًا وغامضًا لا يكتشفه إلا أقذاذ الناس من المتقدمين ، كما هو مقرر في جميع كتب المصطلح ؟
هل تزعمون أن اكتشاف العلة ، والتأكد من خلو الحديث منها يكون في متناول الجميع متقدمًا كان أو متأخرًا ؟