المدرج هو الحديث الذي أدرج فيه الراوي ما ليس منه ، سواء أكان ثقة أم ضعيفًا، سواء أكان ذلك من كلام الراوي أم من حديث آخر مرفوع ، من غير أ، يفصل بينهما ، بحيث يتوهم أنه طرف من هذا الحديث الذي رواه (1) .
وعليه فالحديث المدرج يعتبر معلولًا ، فإن ما أدرجه الراوي في الحديث وجعله جزءًا منه ليس من الحديث الذي رواه شيخه ، وهذا طبعًا إذا لم يفصل بين الحديث وبين ما أدرجه بأي شكل كان ، وأما إذا فصل بينهما فلا يعد مدرجًا.
ويعرف الإدراج بما يلي:
أن يُذكر المدرج في الروايات الأخرى الصحيحة ، مفصولًا عن أصل الحديث ،
أولًا لا يذكر فيها أصلًا ،
أو تضم الرواية الصحيحة ما يدل على أن الراوي لم يسمع المدرج من شيخه ،
أو يستحيل صدور ذلك المدرج من النبي صلى الله عليه وسلم ،
أو نحو ذلك من القرائن التي تؤكد بأن ذلك مدرج في الحديث .
فإذا أدرج الراوي فيما يرويه عن شيخه ما ليس منه ، وجعله طرفًا من حديثه ، فإنه أصبح بتصرفه هذا مخالفًا الواقع الحديثي ، أو متفردًا بما ليس له أصل في الواقع .
ويقع الإدراج تارة في المتن ، وتارة في الإسناد ، ومثال الأول:
روى الإمام الدار قطني من طريق بشر بن عمر: حدثنا شعبة عن أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر يقول: طلقت امرأتي وهي حائض ، فأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال:"مره فليرجعها فإذا طهرت فليطلقها إن شاء"، قال: فقال عمر: يا رسول الله ، أفتحسب بتلك التطليقة ؟ قال:"نعم".
قوله: (فقال عمر يا رسول الله ...) إلى آخره ، مدرج ، لم يرفعه إلا بشر بن عمر ، وهو خطأ ووهم خطأ ووهم منه ، والصواب أن السائل هو ابن سيرين ، والذي أجابه بذلك ابن عمر، فقد جاء ذلك مفصلًا في رواية محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد القطان والنضر بن شميل وخالد بن الحارث وبهز بن أسد وسليمان بن حرب في رواتهم عن شعبة ، وحديث بعضهم في الصحيحين (2) .
وأما مدرج الإسناد فله صور مختلفة ، وأذكر هنا صورة واحدة ، وهي:
ما رواه غندر محمد بن جعفر عن شعبة عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن رزين عن سالم بن عبد الله بن عمر عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي تكون له المرأة فيطلقها ثم يتزوجها رجل ، فطلقها قبل أن يدخل بها فترجع إلى زوجها الأول .. الحديث .
يقول أبو حاتم:"قد زاد (لعله محمد بن جعفر أو شعبة) عندي في هذا الإسناد رجلًا لم يذكره الثوري ، وليست هذه الزيادة بمحفوظة". ثم روى حديث سفيان عن علقمة عن سليمان بن رزين عن ابن عمر ، مع بيان الاختلاف في أسم سليمان بن رزين (3) .
فأدرج شعبة أو تلميذه محمد بن جعفر في الإسناد سالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب (4) .
(1) وقال: ترد علي ؟
قلت: نعم ، أريد زينك ، فأبى أن يرجع .
فقلت: والله ما سمعت أنت هذه الأحاديث من ابن مبارك (عن) ابن عون ، فعضب هو وكل من كان عنده ، وقام ، فدخل البيت فأخرج صحائف ، فجعل يقول: نعم يا مبارك ما غلطت ، وكانتن هذه صحائف يعني مجموعة ، فغلطت ، فجعلت أكتب من حديث ابن المبارك عن ابن عون ، وإنما رواها لي عن ابن عون غير ابن المبارك . قال: فرجع عنها . (انظر: القصة في الكفاية للخطيب ص146) .
( ) قال ابن الصلاح:"النوع العشرون: معرفة المدرج في الحديث . وهو أقسام: منها ما أدرج في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلام بعض رواته ، بأن يذكر الصحابي أو من بعده عقيب ما يرويه من الحديث ، كلامًا من عند نفسه ، فيرويه من بعده موصولًا بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله ، فيلتبس الأمر فيه على من لا يعلم حقيقة الحال ، ويتوهم أن الجميع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". (مقدمة ابن الصلاح ، ص95 - 96) .
(2) البخاري في كتاب الطلاق ، باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق 9/351 ، ومسلم في الطلاق ، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها 10/67 .
ومثال آخر ما رواه الخطيب من طريق أبي قطن وشبابة بن سوار عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اسبغوا الوضوء ، ويل للأعقاب من النار".
ثم قال الخطيب:
"وهم أبو قطن وشبابة بن سوار في روايتهما هذا الحديث عن شعبة على ما سقناه ، وذلك أن قوله:"اسبغوا الوضوء"كلام أبي هريرة ، وقوله:"ويل للأعقاب من النار"من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد رواه جمع كثير من الثقات عن شعبة ، وجعلوا الكلام الأول من قول أبي هريرة ، والكلام الثاني مرفوعًا ، كما رواه البخاري من طريق آدم بين أبي إياس عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال:"أسبغوا الوضوء"فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال:"ويل للأعقاب من النار"."
(3) العلل 1/428 .
(4) يصدق على هذا المثال مصطلح (زيادة الثقة) ، ومصطلح (المزيد في متصل الإسناد) ، إذا كان إسناد الثوري متصلًا ، كما سيأتي شرح ذلك إن شاء الله تعالى .
ومن الأمثلة التي تذكر في كتب المصطلح: أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته ، فيرويه راو واحد منهم فيحمل بعض رواياتهم على بعض ولا يميز بينها ، ويقع في إدراج الرمسل في الموصول والمنقطع في المسند المتصل ، والموقوف في المرفوع .
مثاله ما رواه عثمان بن عمر عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن حلام عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت سودة رضي الله عنها فإذا امرأة على الطريق قد تشوفت ترجو أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث ، وفيه:
"إذا رأى أحدكم امرأة تعجبه فليأت أهله فإن معها مثل الذي معها".
يقول الحافظ ابن حجر:
فظاهر هذا السياق يوهم أن أبا إسحاق رواه عن أبي عبد الرحمن وعبد الله بن حلام جميعًا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وليس كذلك ، وإنما رواه أبو إسحاق عن أبي عبد الرحمن عن النبي مرسلًا، وعن أبي إسحاق عن عبد الله بن حلام عن ابن مسعود رضي الله عنه متصلًا ، بينه عبيد الله بن موسى وقبيصة ومعاوية وبن هشام عن الثوري متصلًا"."
فأدرج إسرائيل المرسل في المسند ، وصارت رواية الجميع مسندة ، وبذلك خالف إسرائيل الأمر الواقع أو الثقات الآخرين ، وحديثه إذن معلول ، أو شاذ أو منكر .