فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 87

أولًا: تعريف الإمام ابن الصلاح وغيره من الملاحقين لمصطلح الصحيح تتضمن أربعة عناصر ؛ وهي: عدالة الراوي ، وضبطه ، واتصال السند وخلوه من الشذوذ والعلة .

ثانيًا: في هذا التعريف تضييق لمدلول الصحيح ، إذ قيدوه بثقة رواته ، وبالتالي لا يعد حديث الضعيف والصدوق صحيحًا ، بينما النقاد يصححونه إذا أصاب كل منهما في الرواية، ويحكمون عليه بالصحة دون قولهم: (صحيح لغيره) أو (صحيح لذاته) .

الضعيف ، فقدان أحد أهم شروط الصحيح ، بخلاف الخبر العاري عن تلك القرائن ، وبالتالي فما كان شرطًا في خبر الواحد عن الواحد من كونه ثقة لم يكن شرطًا في الحديث الذي يرويه غير واحد ، كما سيأتي من الأمثلة ما يعزز ذلك إن شاء الله تعالى .

وأما ما يتصل بخلاف طبقات الرواة الزمنية فما كان مطلوبًا في الطبقات المتأخرة قد لا يطالب جميعه في الطبقات المتقدمة ، إذ أسباب وقوع الخطأ في الطبقة المتأخرة قد كثرت خلاف الطبقة المتقدمة، فإن كان التفرد مقبولًا في الطبقة المتقدمة بالشروط التي سبق ذكرها عن الإمام الشافعي ، فإن التفرد في الطبقة المتأخرة يثير التساؤل: كيف تفرد الراوي بحديثه ، وغيره حريص على سماعه وروايته ، وأنه قد توافرت دواعي انتشار ذلك الحديث عن صاحبه ، لا سيما حين يكون صاحب الحديث مدرسة في الحديث ، بخلاف طبيعة الطبقة المتقدمة .

ولذا يتوقف قبوله على مراعاة ما تقتضيه طبيعة الرواية ، حتى يطمئن شعور الناقد بصواب ما تفرد به الراوي .

فمثلًا: تفرد الإمام أحمد بحديث ليس كتفرد بن المسيب ، ولكل من هذين التفردين أسباب خاصة، وتكون نتائجها مختلفة بعضها عن بعض ، بل كلما يكون مصدر الحديث مشهورًا في الطبقة المتأخرة تكون عوامل الشهرة والانتشار أوفر ، ووقوع تفرد بالحديث فيها يسترعي انتباه الناقد ، بينما لا يكون الأمر كذلك في الطبقة المتقدمة فإن عوامل الشهرة والتعدد فيها تكاد منعدمة .

ولذلك لا يقاس تفرد الإمام أحمد على تفرد سعيد بن المسيب ، ولا تطلق هنا القاعدة (الثقة عن الثقة حجة على رأي أهل السنة) يعني إذا قبل النقاد ما تفرد به سعيد بن المسيب لا يعني بالضرورة أن ما تفرد به الإمام أحمد أيضًا مقبول وصحيح مثله .

وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأمثلة التوضيحية ما يعزز هذه الفكرة من الأدلة الواقعية .

وقد حررت هذه الفكرة بعد دراسة نماذج كثيرة من كلا النوعين ؛ ما أعله النقاد وما صححوه من أحاديث الثقات مع كون كل منها غربيًا .

ثالثًا: إن كان يمكن توجيه ما ورد في التعريف من القيود بأنه كان باعتبار الأغلب في استعمال النقاد لمصطلح الصحيح ، أو بأنه تعريف لقسم خاص من الصحيح ، وهو الصحيح لذاته ، فإنه ينبغي أخذ هذه الملحوظة بعين الاعتبار ، حين نتعامل مع نصوص النقاد ، حتى لا نخطئ في فهم مقصودهم .

رابعًا: هذه الملحوظة حول تعريف الصحيح المستقر في كتب المصطلح ، لم تكن واضحة إلا بعد ربط المصطلحات وتعريفاتها بالتطبيقات العملية لنقاد الحديث ، واعتبار كتب المصطلح مصادر مساعدة في علم الحديث .

خامسًا: إن أحوال الرواة (من حيث الضبط وسوء الحفظ) تتوقف معرفتها بدقة على معرفة نسبة الصواب والخطأ فيما رووه من الأحاديث والآثار . وسيأتي في الوحدة الثانية توضيح لهذا الجانب بتوسع إن شاء الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت