فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 87

ولقد كان موقف أهل السنة تجاه خبر الواحد عن الواحد هو: أن الحديث إذا جاء براوية الثقة عن الثقة ، وكان سنده متصلًا ، يكون صالحًا للاحتجاج به ، ويكون ذلك هو الأصل فقط إذا لم يظهر للنقاد ما يدل على أن الحديث فيه خطأ ، وأن في إضافته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهمًا، وذلك نظرًا لما يتصف به ا لراوي الثقة عموما من الوعي والإتقان والعناية ، وأما في الباطن فيحتمل أن يكون وهمًا أو صوابًا ، بخلاف الخبر الذي تحيط به القرائن التي تدل على حقيقة الأمر من الصواب أو الخطأ.

وشأن هذه المسألة: أعني بها مسألة التصحيح والاحتجاج ، لا يختلف عن شأن القضاء ؛ حيث إن القاضي لم يكن مكلفًا فيه يقوم به الشاهدان ، وهذا لا يعني بالضرورة تقاعس القاضي عن بحث الأدلة والملابسات التي تساعده على تحري الحقائق بدقة بالغة ، بل يجب عليه البحث عنها ، وإذا وقف القاضي على الحقائق بعد التحري فليس أمامه إلا القضاء بها ، وإن كان ذلك خلاف ما يظهر لأول وهلة عند النظر ، وقد يكون هذا الظاهر هو الأصل الذي يتعين الرجوع إليه إذا شهد به الشاهدان وكان القاضي قد عجز عن معرفة ما يحيط به من القرائن والملابسات التي تدل على الحقيقة .

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاستنباط الفقهي ، فإن المجتهد غير مكلف إلا باجتهاد في سبيل معرفة المقصود من النصوص ، وقد يتمكن من ذلك وقد لا يتمكن ، كل ذلك تبعًا لما يتوافر فيه من آليات البحث ، وإذا لم يقف المجتهد - بعد أن استنفد ما في وسعه من جهد - على ملابسات النص وقرائنه المحتفة به فليس له إلا قبول ما يظهر من النص ، وقد يكون ذلك غير مقصودًا أصلًا، إذ هو غير مكلف في تلك الحالة بمعرفة ا لباطن .

وعلى كل فالذي فهمه المجتهد من النصوص بعد اجتهاده يكون أمرًا باطنيًا بالنسبة إلى غيره ممن ينظر في النصوص نظرة عابرة وغير مؤسسة.ومن المعلوم أنه لا يجوز لأحد أن يستند إلى ظاهر النصوص، دون أن يبحث عن مناسبة ورودها ، وما تحف به من القرائن ، وما يمكن أن يكون مفسرًا لها من عمل الصحابة ، بحجة أنه لم يطالب إلا بمعرفة الظاهر .

وإن كان القضاء والاجتهاد مما لا يجوز لأحد أن يتصدى له قبل التأهل ، ولا يعذر له الخوض فيه بكونه لم يكلف ببواطن الأمور ، فكذلك لا يجوز الباحث العادي أن يزاحم صفوف النقاد في التصدي لعملية التصحيح والتضعيف ، ولا يبرر له ذلك بكونه لم يكلف بالحكم إلا بما يفهمه من ظاهر السند.

وذلك أن ظهور العلة وعدم ظهورها في أحاديث الثقات إنما هو بالنسبة إلى شعور النقاد المجربين المطلعين على ملابسات الرواية وخفاياها وحدهم ، وأما غيرهم فلا ينبغي لهم إلا تسليم الأمر لنقاد الحديث في ذلك ، وهم وحدهم المتأهلون لتصحيح الحديث بناء على ظاهر السند بما تقتضيه القرائن والملابسات التي تحيط بذلك الحديث .

وأما أن يقول الباحث العادي الذي لم يشم رائحة منهج المحدثين في التصحيح والتضعيف مثلًا"هذا الحديث صحيح ، لاتصال سنده بالثقات ، ولم تظهر لي علة فيه ، وأن الباطن لم نكلف بمعرفته"معتمدًا في ذلك كله على تقريب التهذيب ، ونحوه من كتب التراجم ، فغير مقبول على الإطلاق، بل يعد ذلك انحرافًا خطيرًا عن الجادة !! ، وطمسًا لمعالم نقد المحدثين !!! ، لا سيما حين يرد على الناقد تصحيحه أو تضعيفه .

وقال السخاوي:".. ترى الجامع بين الفقه والحديث ، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر ، لا ينكر عليهم ، (أي نقاد الحديث) بل يشاركهم ، ويحذو حذوهم ، وربما يطالبهم الفقيه، أو الأصولي العاري عن الحديث ، بالأدلة"، (فتح المغيث 1/274 ، ط1 ، سنة 1407هـ ، إدارة البحوث الإسلامية ، بنارس) .

وقال أيضًا (رحمه الله ، ولله دره) :

"وأما من لم يتوقف من المحدثين والفقهاء في تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة (وهي العدالة والضبط والاتصال) صحيحًا ، ثم إن ظهر شذوذ أو علة رده ، فشاذ وهو استرواح ، حيث يحكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص وتتبع طرقه التي يعلم بها الشذوذ والعلة نفيًا وإثباتًا فضلًا عن أحاديث الباب كله التي ربما احتيج إليها في ذلك ، وربما تطرق إلى التصحيح متمسكًا بذلك من لا يحسن ، فالأحسن سد هذا الباب". (فتح المغيث 1/20) .

وفي نهاية تحليل قول الحميدي يتجلى بوضوح أنه يطلق الحجة على ما رواه الثقة عن الثقة، إلا إذا ظهر فيه خطأ لأمثاله من النقاد .

وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما سبق من قول الإمام الشافعي .

ثالثًا: نص الإمام محمد بن يحي الذهلي:

وقال محمد بن يحيى الذهلي:"ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصول غير المنقطع الذي ليس فيه رجل مجهول ولا رجل مجروح". (الكفاية 20) .

رابعًا: نص يحيى بن محمد الذهلي:

وقال يحيى بن محمد بن يحيى:

"لا يكتب الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يرويه ثقة عن ثقة حتى يتناهى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة ، ولا يكون فيهم رجل مجهول ولا رجل مجروح ، فإذا ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة وجب قبوله والعمل به وترك مخالفته". (الكافية ص20) .

خامسًا: نص الخطابي والحاكم:

وقال الخطابي:

الصحيح ما اتصل سنده وعدلت نقلته" (معالم السنن 1/11 ، هامش مختص سنن أبي داود للمنذري) ."

قال الحاكم:

"صفحة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبي زائل عنه اسم الجهالة ، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة". (معرفة علوم الحديث ، ص26) .

وهذه النصوص باستثناء قول الحاكم - كما ترى - تدل بظاهرها على أن الاحتجاج يتم بمجرد اتصال اسند برواية الثقات ، وأما سلامة الحديث من شذوذ وعلة فغير منصوص عليها في تلك النصوص . ولكن حين ننظر إلى واقع عملهم في هذا المجال نجد فيه ما يؤكد أن الاحتجاج بما رواه الثقة عن الثقة ليس على الإطلاق ، بل هو مقيد بما لم يظهر لهم فيه شذوذ ولا علة ، كما سبق ذلك عن الحميدي ؛ إذ هم مرة يردون ما رواه الثقة مع اتصال سنده ، وإن كان ذلك قليلًا ، وأخرى يقبلونه ويحتجون به ، وكتبهم في العلل والأحكام تزخر بذلك .

وإذا كان كلامهم فيما يخص الاحتجاج بخير الثقة عن الثقة مقيدًا بحالة ما إذا لم يقترن به ما يدل على خطئه أو صوابه من الأدلة والقرائن فإن مرجع الاحتجاج بخبر الواحد هو ما يكون أصلًا في الرواة، وذلك لأن الله تعالى يكلف الإنسان إلا بما ظهر له دون الباطن . وأما إذا ظهر للعالم حقيقة الأمر أو باطنه بفضل علمه وتخصصه وملكته فلا مجال لغيره أن يرفضه مستندًا إلى أنه غير مكلف بالاطلاع على الباطن .

ومن خلال ما سبق من التوضيح تتبين أهمية القيد بخلو الحديث من شذوذ وعلة في تصحيح الحديث، سواء تأكد الناقد ذلك من خلال القرائن أم من ظاهر السند ، ولذا جاء قول الحاكم في صفة الحديث الصحيح وصفًا دقيقًا للحديث الصحيح ، وإن كان فيه نوع إيهام بالنسبة إلى غير المتخصصين . وهذا نصه:

"أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبي زائل عنه اسم الجهالة ، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة". (معرفة علوم الحديث ص26) .

وفي ضوء ذلك فما ذكره ابن الصلاح في تعريف الصحيح جمعًا بين القيدين - وهما: كون الراوي ثقة ، وأن يخلو الحديث من شذوذ وعلة - ينبغي تأويله بما سبق ، وهو أن ثقة الراوي قيد أغلبي ، وليس احترازيًا ، وأن هذا التعريف خاص بما رواه الثقة فقط دون غيره ، كما قيد بذلك الحافظ ابن الحجر ، وإلا يكون ذلك تضييقًا لمفهوم الصحيح عند نقاد الحديث ، هذا ويمكن الاستغناء عن ذكر الضبط كشرط، بذلك الخلو من شذوذ وعلة أو بالعكس .

وعلى ذلك فإن تعريف ابن الصلاح إذا ارتكز الراوي ضابطًا ، إضافة إلى قيد الخلو عن الشذوذ والعلة لن يستقيم إلا إذا اعتبرنا فيه تغليب أحاديث الثقات على غيرهم ، وليس لإخراج ما يصح ما أحاديث الضعيف وأحاديث الصدوق ، حيث إن الضعيف قد يضبط حديثه ، ويرويه مطابقًا للواقع الحديثي .

ولذلك نرى النقاد ينصون على صحة ذلك الحديث ، غير أن الفارق بين الثقة والضعيف يظهر بجلاء في نسبة الموافقة والمخالفة والتفرد ؛ فتكون نسبة الموافقة على أحاديث الأول كثيرة ، وفي الثاني قليلة ، كما سبق ، هذا ويضم الصحيحان عددًا لا بأس به من صحيح أحاديث الصدوق والضعيف غير المتروك ، غير أ، ذلك لم يكن منهم على وجه الاستيعاب والأصالة والمقصود ، كما هو الشأن في أحاديث الثقات ، وإنما وقع اختيارهما لهذا النوع من الأحاديث الصحيحة لأسباب علمية ؛ ومن أهمها أن يكون سند الضعيف عاليًا من سند الثقة . كما نص الإمام مسلم على ذلك .

لقد نقل الإمام ابن الصلاح فيه عن مسلم قوله:"إنما أدخلت من حديث أسباط ، وقطن ، وأحمد ، ما قد رواه الثقات عن شيوخهم ، إلا أنه ربما وقع إلى عنهم بارتفاع ، ويكون عندي من رواية أوثق منه بنزول ، فاقتصر على ذلك ، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات" (صيانة صحي مسلم ص94-98) .

وجاء في سير أعلام النبلاء 11/418 بسياق آخر ، وهو:"وقال إبراهيم بن أبي طالب قلت لمسلم كيف اتجزت الرواية عن سويد في الصحيح ؟ قال: فمن أين كنت آتي نسخة حفص بن ميسرة؟ قلت (القائل الذهبي) : ما كان لمسلم أن يخرج له في الأصول ، وليته عضد أحاديث حفص بين ميسرة بأن رواها بنزول درجة أيضًا".

الفائدة الثانية:

في الواقع أن شروط الصحيح تختلف باختلاف أنواع الحديث وطبيعة روايتها ، وباختلاف طبقات الرواة الزمنية أيضًا ، وعلى سبيل المثال فما كان شرطًا في الخبر غير المشهور فليس مطلوبًا أن يتوافر جميعه في الخبر المشهور ، بل يكفي فيه من الشروط ما تقتضيه طبيعة شهرة الحديث ، وكذلك الحديث الذي تحيط به الملابسات والقرائن تختلف شروطه عن الحديث العاري عن هذه القرائن ، ولكل منهما مقتضياته ، وخصوصياته .

وعلى ذلك فحديث الضعيف غير المتروك إذا وافقه الثقة أو الثقات يكون صحيحًا ، لدلالة هذه الموافقة على أن روايه الضعيف قد حفظه بضبط وإتقان ، بينما يضعف الحديث إذا تفرد به هذا =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت