فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 87

أولًا دواعي تأليف هذا الكتاب :

لقد تبوأ علم الحديث مكانة عظيمة لدى علماء المسلمين قديمًا وحديثًا على اختلاف تخصصهم العلمي ، وتوجههم الفكري ، وحفزهم ذلك إلى خدمة هذا العلم الشريف ، حتى تسابقوا إلى نيل الشرف بخدمته ، وانخراطهم في صفوف المؤلفين فيه ، فكثرت الكتب في علم الحديث مع تنوع الأساليب في طرح مسائله وشرح مصطلحاته وترتيب أنواعه ، حتى وصل إلينا هذا العلم جامعًا بين الأصالة والتجديد ، وشاهدًا لمراحل تطوره حسب تغير الأعراف العلمية ، وحاملًا في طياته جهود الأئمة في مختلف العصور في مجال حفظ السنة النبوية . فرحم الله جميع أئمتنا ، وجزاهم عنا خير الجزاء ، وجعلنا خير خلف لخير سلف .

ولا ينبغي أن يكون إجلالنا لعلمهم وإخلاصهم دافعًا إلى التقليد والتقديس ، ومانعًا من النهوض بواجبنا ودورنا في خدمة هذا العلم بما تقتضيه مستجدات عصرنا ، لا سيما حين نلحظ بعض أهل عصرنا يسيء استخدامه ، ويخلط فيه بين مرجعه الأصيل ومصادره المساعدة ، حتى أصبحت عنده لغة المحدثين النقاد في نقد الأحاديث مجهولة ، ومنهجهم في الجرح والتعديل غير معروف ، وطريقتهم في تلقي الأخبار وروايتها وضبطها غير مألوفة مع أن كتب مصطلح الحديث من طليعة الكتب التي يهتمون بدراستها .

ولذلك يكون م الواجب أن نبحث عن أسباب تلك السلبيات ، ونقوم بتوعية شبابنا بخطورة آثارها ، حتى نتفق جميعًا على تحديد ما يلائمها من العلاج ، والعمل الجاد في سبيل ذلك، ومن ثم يتصل آخرنا بأولنا بتشييد ما بنوا ، وبالتالي نكون قد قمنا بتدوين تاريخنا بالبناء المعرفي والعطاء العلمي المتجدد .

إن متتبع كتب المصطلح بدقة بالغة يلحظ شيئًا مهمًا ، قد يكون أحد أسباب تخلفنا عن منهج المحدثين في تصحيح الأخبار وتعليلها ، وهو أن كثرة المؤلفين في علوم الحديث ، وتنوع أساليبهم في طرح مسائلها وترتيبها بتنوع تخصصاتهم العلمية ، أدى إلى تشتت المصطلحات واختلاف الأقوال في أحكامها ، وتداخل الآراء بين أئمة الحديث وأئمة الفقه والأصول في تحرير راجحها ، وحتى في تقسيم علوم الحديث ، وتعريف أنواعها ، إلى أن صار محتواها معقدًا عمومًا، لا سيما حين كانت تعريفات المصطلحات مصاغة وفق قواعد علم المنطق ، وأصبحت لغة المنطق هي المستخدمة في كتابة هذا العلم الشريف غالبًا ، بعيدًا عما يألف أهل عصرنا من الأساليب والأمثلة .

وعلى الرغم من جمع كتب المصطلح ما يتصل بمنهج المحدثين دون تقصير من أصحابها ، إلا أن استيعاب هذا المنهج لم يتحقق لدى كثير الباحثين لعدم مراعاة ما سبق ذكره آنفًا عند دراستها .

ومن هنا جاءت فكرة تأليف هذا الكتاب لطرح ما تعاني منه الأبحاث المعاصرة في مجال الحديث وفقهه من عدم الانضباط بقواعد النقد التي تمخض عنها جهود المحدثين النقاد القدامى ، محاولًا الوصول إلى معرفة أسباب ذلك ، ثم اقتراح ما يلائمها من علاج .

ولذلك سأبذل قصارى جهدي ، متوكلًا على الله سبحانه وتعالى ، وفي تقديم علوم الحديث ، وشرح مصطلحاتها ، في ضوء ما تدل عليه نصوص النقاد وعملهم التطبيقي ، مراعيًا في ذلك أسلوب سهلًا (بإذن الله تعالى) عسى أ، يكون هذا الكتاب أقرب إلى طبيعة التكوين النفسي لطلابنا اليوم في تناول هذا العلم ؛ إذ الغرض من الدراسة هو استيعاب منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف ، وما يتصل به من مسائل ، وفهم مصطلحاتهم في ذلك فهمًا صحيحًا ، بأي أسلوب من أساليب التعلم ، يكون أكثر ملائمة لطبيعة التفكير النفسي للطالب ، وليس الغرض أن تقوم الدراسة دومًا على ربط هذا العلم بأساليب المنطق ، بحجة أن أئمتنا المتأخرين ، قد استخدموها في ذلك إذ طريقة التدريس والتلقي تختلف باختلاف ثقافات المجتمع ، وطبيعة تكوينهم النفسي ، ونوعية انشغالاتهم العلمية ، حتى إن طريقة أئمتنا المتأخرين في ذلك لم تكن تقليدية محضة ، بل كانت مختلفة عن طريق من سبقهم من المتقدمين ، وذلك في إطار تجديد وسائل التعليم وتطويرها بمقتضى مستجدات عصورهم في مجال العلوم ، أو ليس لنا فيهم قدوة في ذلك (1) .

وإذا كانت مناهج التدريس قد تعرضت للتجديد وفق ما تقتضيه المراحل الزمنية التي مرت على الأمة في طول تاريخها ، فإن مناهجنا اليوم في تدريس علوم الحديث يجب النظر فيها، لنجدها حسب ما يقتضيه عصرنا ، دون أن يمس ذلك شيئًا من العلم ومصطلحاته ، وبالتالي يستفيد الطالب من جهود السابقين جمعيًا ، مع التمييز بين مناهجهم المختلفة .

وهذا الأسلوب المقترح في تدريس علوم الحديث لا يدعو إلى إهمال ما ورد في كتب المصطلح من التعريفات ، بل يدعو إلى تسهيل فهمها على طلابنا من خلال ترتيبها ترتيبًا موضوعيًا ، ثم عرض كل منها على التطبيقات العملية لنقاد الحديث ، وشرحها بالأمثلة ا لواقعية التي يألفها المجتمع في معالجة الأخبار التي تتداول فيما بينهم .

ولعل هذا الأسلوب مما سيسهل على طلابنا اليوم استيعاب علوم الحديث ، وفهم مضامين مصطلحاتها فهمًا صحيحًا ، ووقوفهم على منهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف ، والجرح والتعديل ، بجميع أبعاده ، جليلها ودقيقها ، وبالتالي يكون كل منهم بإذن الله تعالى قد هيأ نفسه لاحترام أهل هذا العلم ، وتقديم منهجهم على غيرهم فيما يخص الحديث ونقده.

ولا يسعني بعد بذل ما في وسعي من جهد ، إلا أن أرجو من الله تعالى أن أكون موفقًا في ذلك .

ومن الجدير بالذكر أن موضوع هذا الكتاب كان مختمرًا في نفسي أكثر من خمس عشرة سنة، إذ كان هذا الموضوع من المقررات الرئيسة التي قمت بتدريسها بشغف بالغ في معظم هذه الفترة الزمنية التي عشتها في الجامعات والمعاهد ، لقد كان من عادتي أن أقوم بالتحضير قبل كل درس ، مع حرصي الشديد على ربط مصطلحات الحديث بتطبيقات المحدثين النقاد ، ثم أقوم بشرحها في ضوء ذلك ، حتى وفقني الله تعالى لإعداد هذا الكتاب ، وأرجو أن يكون جهدي هذا خدمة للسنة النبوية ، وتوجيهًا صحيحًا لطلبتها نحو إبداع علمي ، وعطاء معرفي متجدد.

والله من وراء القصد ، وله الحمد والشكر أولًا وآخرًا ، وهو حسبنا ، نعم المولى ونعم النصير .

(1) هذا الأمر يتضح أكثر من خلال مقارنة سريعة بين ما كتبه الإمام مسلم في مقدمته على الصحيح ، أو الإمام الحاكم في معرفة علوم الحديث ، وبين ما ألفه ابن الصالح وغيره من كتب مصطلح الحديث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت