فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 87

ثالثًا الأدلة على ذلك من نصوص الأئمة :

فيما يلي من نصوص الأئمة ما يؤكد على أهمية التركيز على تلك النقاط الأربع:

قال الإمام مسلم رحمه الله فيما يخص النقطة الأولى:

"واعلم رحمك الله أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة ، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفون بها دون غيرهم .. وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ، ويميزونهم ، حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح (1) ."

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى:

"أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلمًا من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم ، واطلاعهم ، واضطلاعهم في هذا الشأن ، واتصافهم بالإنصاف والديانة ، والخبرة والنصح ، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكًا أو كذبًا، أو نحو ذلك . فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في موافقتهم ، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم (2) ."

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"هذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكًا ، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهمًا غائصًا واطلاعًا حاويًا وإدراكًا للمراتب الرواة ، ومعرفة ثاقبه ، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم ، وإليهم المرجع في ذلك ، لما جعل الله تعالى فيهم من معرفة ذلك والاطلاع على غوامضه ، دون غيرهم ممن يمارس ذلك ..." (3) .

وفيما يخص النقطة الأولى والثانية يقول السخاوي رحمه الله تعالى ، وهذا نصه:

"ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرًا جدًا ، للنظر فيه مجال ، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه ، كشعبة والطقان وابن مهدي ونحوهم وأصحابهم ؛ مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة ، ثم أصحابهم ؛ مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ، وهكذا إلى زمن الدار قطني والبقهقي ولم يجئ بعدهم مساو لهم ولا مقارب ، فأده العلائي" (4) .

وأما فيما يخص النقطة الثالثة والرابعة فقد قال الإمام الحاكم رحمه الله تعالى:"النوع العشرون من هذا العلم (يعني علوم الحديث) - بعد معرفة ما قدمنا ذكره من صحة الحديث إتقانًا ومعرفة لا تقليدًا وظنًا - معرفة فقه الحديث ؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشيعة" (5) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"فالحق أن كلًا منهما (يعني معرفة فقه الحديث ومعرفة صحته وضعفه) في علم الحديث مهم لا رجحان لأحدهما على الآخر ، نعم لو قال: الاشتغال بالفن الأول (يعني فقه الحديث) أهم كان مسلمًا مع ما فيه ، ولا شك أن من جمعها حاز القدح المعلى ، ومن أخل بهما فلا حظ له في اسم المحدث" (6) .

وقال الإمام علي بن المديني رحمه الله تعالى:

"التفقه في معاني الحديث نصف العلم ومعرفة الرجال نصف العلم" (7) .

"المحدث إذا لم يعرف السقيم والصحيح والناسخ والمنسوخ فلا يعد عالمًا" (8) .

وقليلًا ما يتذكر أهل عصرنا دور علماء الحديث في الجوانب الفقهية التي برعوا فيها ، كعلماء أهل الرأي ، وسبب ذلك يعود بقدر كبير إلى خلل في تدريس علوم الحديث ، وقلة اهتمامنا في بلورة صلتها بالجوانب الفقهية ، مع كونها من أهم مفرداتها .

وعلى كل فلتحديد محتوى علوم الحديث وترتيب مفرداتها وأنواعها على وحداتها الموضوعية، ومعرفة مرجعيتها الأصيلة ، وتمييزها من مصادرها المساعدة ، وفوائد عظيمة ، ومن أهمها إبعاد الطالب عن:

خلطه بين مناهج مختلفة .

وتقليده لغير أهله فيما يأخذه من مسائل ذلك العلم .

ومن المعلوم بديهيًا أنه لا يعد شخص ما مصدرًا أصيلًا في علم من العلوم لمجرد أنه قد ألف كتابًا فيه إلا بقدر ما يتوافر لديه من التخصص والملكة العلمية والاطلاع الواسع على الأحاديث وطريقة أصحابها في النقد ، وكم من مؤلف في علم الحديث لم يؤلف فيه إلا تقليدًا لمن سبقه في كتابه ، ولم يتجاوز عمله في التأليف مجرد تلخيص ذلك الكتاب أو تهذيبه أو شرحه ، أو جمع ما تتأثر في الكتب السابقة من نصوص الأئمة ومصطلحاتهم ، دون إبداع أو تصحيح أو نقد مؤسس ، إلا ما ندر .

وما من خلط يقع من دارس علوم الحديث بين مرجعه الأصيل ومصادره المساعدة في بناء تصوراته حول مسألة من المسائل إلا وقد أسفر عن نتائج سيئة يصعب استدراكها وإصلاحها فيما بعد ، كما هو حالنا اليوم في دراسة علوم الحديث ، إذا نرى بعض المعاصرين يرد قول النقاد قائلًا:"زيادة الثقة مقبولة كما هو مقرر في كتب المصطلح"، أو"الراوي ثقة لا يضر تفرده"، بل بلغ غرور بعضهم بما حفظوا من تعريفات كتب المصطلح إلى قوله:"لو درس أبو حاتم وغيره من الأئمة ، حتى البخاري دراسة وافية لما تجاوزوا النتائج التي توصلت إليها، والحمد لله إني طبقت منهج المحدثين".

(1) كتاب التمييز ، ص 218 ، للإمام مسلم .

(2) اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث ، ص79 .

(3) النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/711 لابن حجر العسقلاني ، (تحقيق د. ربيع المدخلي ، الجامعة الإسلامية ، ط1 ، سنة 1404هـ) . اختصار علوم الحديث ، ص64 الحافظ ابن كثير ، مع شرح الشيخ أحمد شاكر (الباعث الحثيث) .

(4) فتح المغيث 1/237 ، وتوضيح الأفكار 1/344 ، والنكت 2/604-605 .

(5) معرفة علوم الحديث ص63 ، للحاكم ، (ط4 ، منشورات دار الآفاق الجديدة / بيروت) .

(6) النكت على مقدمة ابن الصلاح 1/230 ، لابن حجر العسقلاني .

(7) المحدث الفاصل بين الراوي والواعي 1/320 ، رواه الرامهرمزي عن زنجويه عن البخاري عن ابن المديني ، ورواه الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء 11/18 ، عن طريق الرامهرمزي ، لكن رواه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/211 ، عن طريق خلاد عن زنجويه بلفظ:"التفقه في معاد الحديث.."وأورده تحت باب كتب الأحاديث المعادة ، ولذلك فإن هذا اللفظ ثابت في كتاب الخطيب ، وليس تصحيفًا من الناسخ . ومن المعلوم أن الخطيب متأخر عن الرامهرمزي ، ولذا فالأصح ما ذكره الرامهرمزي ، واعتمد عليه الذهبي - كما هو في السير الذي حققه صالح السمر تحت إشراف شعيب الأرناؤوط - وهذا اللفظ هو الذي يتأيد من حيث السياق ، وإلا فما معنى التفقه في معاد الحديث حتى يشكل نصف العلم بمقابل علم الرجال ؟ والله أعلم .

(8) معرفة علوم الحديث ، ص60 للحاكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت