إذا كان المحدثون النقاد قد استطاعوا الكشف عن أخطاء الثقات وأوهامهم ، فإن الكشف عن كل زيف ودخيل على السنة ، بل على أحاديث الثقات وأصولهم يكون عندهم أسهل، ومهما كان الأمر فإنهم يدورون في ذلك كله على معرفة مدى التفرد والمخالفة .
يقول الإمام ابن الجوزي:"ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول أو يخالف المنقول ، أو يناقض الأصول ، فأعلم أنه موضوع".
رحم الله أئمتنا النقاد ، وجزاهم عنا خير الجزاء ، في وصول سنة نبينا صلى الله عليه وسلم إلينا ، وهي منقحة وبعيدة عن الدخيل ، بفضل جهودهم ، بل تركوا لنا منهجًا رائعًا لعملية التنقيح والتدقيق ، حتى ولو زيد حرف واحد في السنة ، أو في أحاديث الثقات ، فإن كشفه يتم بسهولة بفضل هذا المنهج القائم على المقارنة بين الأحاديث ، والجوانب العملية أو التاريخية ، أو العقلية .
فإذا تفرد الراوي الوضاع برواية حديث ، أو خالف حديثه ما ثبت بالقرآن ، أو بالسنة، أو بالإجماع ، فإن زيغه وكذبه في ذلك يكون كالشمس ، ولا يحتاج في معرفة تلك إلى بحث وتأمل .
وذلك لأنه يأتي الحديث الكذب مناقصًا للقرآن الكريم ، أو السنة الصحيحة ، أو بدهيات العقيدة ، أو التاريخ أو العقل (1) .
وإن كان الكاذب قد تفرد برواية نص دون أن يعرفه أحد من الحفاظ فإن هذا التفرد وحده كاف لمعرفة كذبه وزيغه ، ومع ذلك فإذا خالف القرآن الكريم أو الثابت عقلًا أو تاريخًا أو إجماعًا فإنه يزيد الباحث يقينًا وجزمًا بأنه كذب .
(1) راجع كتاب الموضوعات لابن الجوزي ، ترى فيه منهج المقارنة ، والحكم على الحديث بالوضع في ضوء ذلك .
تنبيه: قد نرى بين المفكرين المعاصرين من يتجرأ بتضعيف حديث صحيح برواية الثقات ، ومتفق على تصحيحه بين النقاد ، بحجة أن ذلك الحديث يخالف عقله ، أو ما فهمه من ظاهر القرآن الكريم، أو غير ذلك ، متهمًا المحدثين النقاد بقصر نظرهم في الحديث ، واهتمامهم في ظواهر السند ، والجرح والتعديل .
وقد نقل فضيلة الشيخ الدكتور / نور الدين عتر في كتابه منهج النقد ص316 عن أستاذه المحقق الشيخ محمد السماحي ما يلي:"وهنا مسألة هامة جدًا ، وهي أن كثيرًا من الباحثين اليوم يعمدون إلى أحاديث صحيحة في الصحيحين أو أحدهما ، ثم يعارضونها بالمعقول تارة وبالمنقول أخرى ، ويدعون عليها الوضع بحجة أنهم تحاكموا إلى القواعد فحكمت لهم بما يقولون . والاعتدال في ذلك أن ننظر ="