لمزيد من التوضيح والتحديد أذكر هنا نموذجًا واحدًا من الأحاديث التي تجسد فيها ما سبق شرحه من قواعد التصحيح .
يقول الإمام البخاري:
"حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير ، حدثنا سفيان ، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي ، سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكها فهجرته إلىما هاجر إليه" (1) ."
وقد رواه البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة من طرق شتى تدور كلها على يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (2) .
وصح الأئمة هذا الحديث منهم:
الإمام البخاري والإمام مسلم حيث روياه في صحيحيهما بأنظف أسانيدهما فيه وأصحها، وأعلاها . ،/
والإمام الترمذي ، فقد قال في سننه (3) : هذا حديث حسن صحيح ، وقد روى مالك بن أنس وسفيان الثوري وغير واحد من الأئمة هذا عن يحيى بن سعيد ، ولا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري"."
وذلك بعد أن رواه الترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهذا الطريق مما رواه مسلم في صحيحه ، كما نص على صحته الإمام الدار قطني بقوله: (حديث صحيح) (4) .
وقد سبقت الإشارة في مستهل الحديث عن الصحيح إلى تنوع المصطلحات التي يطلقها المتقدمون على الحديث الذي تحققت سلامته من الخطأ والوهم وثبتت صحته . وهنا قد رأينا الدار قطني يقول في حديث يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر: (حديث صحيح) ، بينما أطلق الترمذي عليه: (حسن صحيح) وأما البخاري ومسلم فقد رويا الحديث نفسه في كتابيهما الموسومين بالصحيح مما يفيد أن هذا الحديث من الأحاديث التي يقولان في كل منها (صحيح) . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى يكون معنى تصحيحهم لهذا الحديث أنهم تأكدوا بأنه لم يقع في الحديث كذب ولا خطأ ولا وهم من روايه أثناء نقله له عمن فوقه ، وأنه قد رواه كل منهم كما حدثه به من فوقه .
(1) كتاب بدء الوحي ، باب كيف كان بدء الوحي 1/9 .
(2) رواه البخاري في مواضع كثيرة من صحيحه ، منها كتاب الإيمان ، باب ما جاء إن الأعمال بالنية والحسبة 1/135 ، وكتاب العتق ، باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق . 5/160 (فتح الباري، دار المعرفة بيروت ، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي) ومسلم في كتاب الإمارة ، باب قوله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنية .."13/53-55 .
(3) كتاب فضائل الجهاد ، باب ما جاء فيمن يقاتل رباء وللدنيا 4/179 - 180 ، (تحقيق إبراهيم عطوة ، مصطفى البابي الحلبي ، ط2 ، سنة 1390هـ) .
(4) انظر علل الدار قطني 2/ 192 .