فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 87

إن جميع هذه المصطلحات - المنقطع والبلاغات والمعضل والمرسل والمدلس - وإن كانت تعاريفها مختلفة ، فإنها جميعًا مشتركة في معنى الانقطاع ، غير أن آثار الانقطاع فيها تتفاوت درجتها وخطورتها ، فمراسيل كبار التابعين ، يكون أثر الانقطاع فيها أخف بالنسبة إلى بقية أنواع الانقطاع ، نظرًا لأن أغلب روايتهم تكون عن الصاحبة ، وبالتالي يكون الصحابي هو الذي سقط من السند في مراسيل كبار التابعين في أغلب الاحتمال (1) .

وإن كانت هذه الأنواع كلها منقطعة فمجال البحث عن حديث ذلك الراوي المبهم ، والتأكد من ثبوته عنده ، ثم مدى إتقان الراوي فيما روى عنه مجال كل ذلك منعدم تمامًا، فإذا استطاع الناقد معرفة ذلك الراوي المبهم ، من خلال تتبع أحاديث الثقات ، وأنه قد وافقهم فيما حدث به ، يعد حديثه صحيحًا .

أما إذا توبع الحديث المنقطع من قبل الضعفاء غير المتروكين ، بالشروط التي سبق ذكرها في مستهل هذا المبحث فيكون حسنًا ، ومصطلحات الناقد في ذلك متنوعة ، كقولهم: (هذا حسن) و (لا بأس به) و (جيد) و (مقبول) و (صالح) وغيرها من الألفاظ ، وتتفق كلها على دلالتها على أن الحديث مقبول عمومًا .

ولكن تختلف درجة القبول باختلاف القرائن التي تتوفر لدى الناقد ، وقد يقرب ذلك الحديث من درجة الصحيح ، ومع ذلك لا يستطيع الناقد الجزم بصحته ، ولكن إذا وجد الناقد معارضًا يفرط في رده فإنه يبالغ في التعبير ويقول (صحيح) كردة فعل ، ولا يريد به مناه المشهور (2) . أو قد يقترب من المعلول ، لكن لا يقدر الجزم بذلك ، وإذا بالغ أحد في قبوله ، يشدد الناقد في رده ويطلق بأنه غير صحيح .

وعليه فإن الحديث الذي يقال فيه: (حسن) تكون درجته متوسطة بين الصحيح والضعيف مع تفاوتها ، ومن هنا نجد شيئًا من الاضطراب في مواقف النقاد حين تطبيقهم لهذا المصطلح ، كما اضطرب المتأخرون في صياغة تعريف جامع له .

قال ابن دقيق العيد:"وفي تحقيق معناه اضطراب" (3) .

وقال الذهبي:"ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج جميع الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك ، فكم من حديث تردد فيه الحفاظ هل هو حسن ، أو ضعيف ؟ أو صحيح ؟ بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد ، فيومًا يصفه بالصحة ويومًا يصفه بالحسن، ولربما استضعفه" (4) .

(1) ومن هنا تساهل بعض الأئمة في الاحتجاج بالمرسل من غير شروط . بينما وضع الإمام الشافعي في قبول المرسل شروطًا ، وهي كما يلي:

أن يكون المرسل من كبار التابعين .

وأن يروي من وجه آخر مسندًا .

أو أن يوافقه مرسل آخر ، أرسله من أخذ العلم عن غير رجال المرسل الأول .

أو أن يعضده قول بعض الصحابة .

أو أن يعضده جمع من أهل العلم .

لأنه إذا توافرت هذه الشروط في المرسل تدل على تعدد المصادر بحيث يطمئن الناقد بوجود أصل يصح الاعتماد عليه وبصحة مخرجه .

(2) وفي كتاب العلل للخلال أن أحمد سئل عن هذا الحديث (يعني: حديث:"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ..") فقيل له: كأنه موضوع ؟ فقال: لا هو صحيح ، فقيل له: ممن سمعته ؟ فقال: من غير واحد ، قيل: من هم ؟ قال: حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن، ومعان لا بأس به . انتهى (تدريب الراوي 1/302) .

(3) الاقتراح في بيان الاصطلاح ، ص162 .

(4) الموقظة ، ص27 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت