ما سبق اعتماده في التصحيح من العناصر الثلاثة يشمله تعريف الصحي الذي ذكره ابن الصالح رحمه الله تعالى في مقدمته ، وهو:
"المسند المتصل بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ولا يكون شاذًا ولا معلولًا".
وهذا التعريف لا يشمل إلا الحديث المرفوع ، إذ جاء مقيدًا بقوله: (المسند المتصل) يعني المرفوع .
ولذا فإن اللاحقين ، وإن اتفقوا مع ابن الصلاح في اصل هذا التعريف ، غير أنهم جعلوا التعريف شاملًا للمرفوع والموقف ، وأذكر هنا بعض التعريفات على سبيل المثال .
يقول الإمام النووي:
"الصحيح ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة" (1) .
ويقول الحافظ ابن حجر:
"خبر الآحاد بنقل عدم تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته" (2) .
فهذا التعريف كما ترى شاملة للمرفوع وغيره ، حيث لم يقيدوه بكونه مسندًا . وهذه ملحوظة فنية . وإما الجانب الذي يهمنا هنا فهو أن هذه التعريفات تضمنت أربعة عناصر، وهي:
أن يكون الراوي عدلًا .
أن يكون ضابطًا متقنًا .
أن يتصل الإسناد .
أن يكون حديثه خاليًا من الشذوذ والعلة (3) .
والذي نلحظه في هذه التعريفات هو ذكر قيد زائد على ما سبق شرحه ، وهو أن يكون الرواة معروفي الضبط والإتقان .
وبهذا القيد يخرج من حد الصحيح ما رواه الضعيف ، وكذا ما رواه الصدوق الذي يكون دون مرتبة الثقة ، وعليه فلا تعد أحاديثهما صحيحة ، حتى وإن توبعت من قبل الثقات ، وتيقن صوابها ، وذلك لفقدان شرط من شروط الصحيح ، وهو أن يكون الراوي ضابطًا (4) .
(1) تدريب الراوي 1/36 .
(2) المقنع في علوم الحديث 1/14 .
(3) شرح النخبة ص54 ، (تحقيق نور الدين عتر ، ط2 ، سنة 1414هـ ، مطبعة الصباح ، دمشق) .
(4) تعقب الحافظ ابن حجر على ابن الصلاح بن الإشكال ذاته: إذ قال:
"وصف الحديث بالصحة إذا قصر عن رتبة الصحيح ، وكان على شرط الحسن إذا روي من وجه آخر لا يدخ لفي التعريف الذي عرف به الصحيح أولًا ، فإما أن يزيد في حد الصحيح ما يعغطي أن هذا أيضًا يسمى صحيحًا ، وإما أن لا يسمى هذا صحيحًا ، والحق أنه من طريق النظر أنه يسمى صحيحًا ، وإما أن لا يسمى هذا صحيحًا ، والحق أنه من طريق النظر أنه يسمى صحيحًا ، وينبغي أن يزداد في التعريف بالصحيح ، فيقال: هو الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل التام الضبط أو القاصر عنه ، إذا اعتضد ، عن مثله إلى منتهاه ، ولا يكون شاذًاَ ولا معللًا . وإنما قلت ذلك ، لأنني أعتبرت كثيرًا من أحاديث الصحيحين فوجدتها لا يتم الحكم عليها بالصحة إلا بذلك". (النكت 1/417) .
وهذا الذي قاله الحافظ ابن حجر هو الحق الذي يتأيد بعمل النقاد عمومًا ، وبصنيع الإمامين: البخاري ومسلم ، في صحيحيهما خصوصًا ؛ إذ لا فرق عندهم في التصحيح بين حديث الثقة والصدوق والضعيف إذا أصاب كل منهم فيما رواه ، غير أن الفرق بينهم هو تفاوت نسبة الصواب والخطأ في المرويات . فنسبة الخطأ في أحاديث الثقة تكون أقل بالنسبة إلى الصواب ، وأما الصدوق فتكون نسبة خطئه أعلى من الثقة ، وأما الضعيف فنسبة خطته تكون أكثر بالنسبة إلى صوابه ، ولا تقدر هذه النسبة إلا بقدر مروياته .
هذا إذا جعلنا قول الحافظ: (أو القاصر عنه) شاملًا للصدوق غير المتروك ، وأما إذا جعلناه خاصًا بالصدوق - كما هو ظاهر كلامه وصنيعه في جعل حديث الضعيف حسنًا لغيره إذا تقوى - فلا يكون تعريفه جامعًا لما يصح من أحاديث الضعيف . وسيأتي ما يعزز هذه الفكرة من الأمثلة الحديثية من الصحيحين . إن شاء الله تعالى .