لعل هذا المصطلح أخذ مكانه من مباحث كتب المصطلح حيث ألف الخطيب البغدادي كتابًا مستقلًا هذا العنوان: وأما قبله فلم أجد في كتب العلل أو كتب الضعفاء أو غيرهال من استعمله من النقاد .
مثاله: ما روي عن عبد الله بن المبارك: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني بسر بن عبيد الله ، سمعت أبا إدريس يقول: سمعت واثلة بن الأسقع ، يقول: سمعت أبا مرصد الغنوي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها".
فسفيان وأبو إدريس مزيدان في هذا الإسناد ، فقد رواه جماعة ثقات عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبيد الله عن واثلة بن الأسقع (1) .
وحكم بعض النقاد على الإسناد المزيد أنه وهم ، وذلك في ضوء القرائن ، التي أشار إليها أبو حاتم بقوله:
"وهم أبن المبارك في زيادته (أبا إدريس) لأن بسر بن عبد الله روى عن واثلة ولقيه، ولا أعلم أبا إدريس روى عن واثلة شيئًا ، وأهل الشام أضبط لحديثهم من الغرباء" (2) .
وبقوله في موضع آخر:
"يرون أن ابن المبارك وهم في هذا . وكثيرًا ما يحدث بسر عن أبي إدريس ، فغلط ابن المبارك ، وظن أن هذا روى عن أبي إدريس عن واثلة ، وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه" (3) .
والواقع أن أصل هذا الموضوع يرجع إلى نقطة اختلاف الرواة في الإسناد بالزيادة والنقص؛ يزيد البعض فيه روايًا ، ويسقطه الآخر ، مما يشكل وحدة موضوعية مع مسألة تعارض الوقف والرفع وتعارض الوصل والإرسال . وبذلك يصبح (المزيد في متصل الإسناد) جزءًا مهمًا من مسألة زيادة الثقة ، إذا كان الثقة هو الذي زاد في الإسناد روايًا (4) .
القسم الثاني:
(1) راجع مقدمة ابن الصلاح ، ص287 - 288 .
(2) ابن أبي حاتم ، العلل 1/368 - 369 .
(3) المصدر السابق 1/349 .
(4) لي بحث مستقل في هذا الموضوع تحت عنوان: (زيادة الثقة في كتب المصطلح) ، وللفائدة أنقل منه ما ذكرت فيه من خلاصة الحكم ، وهو ما يلي:
أنه إذا تبين بالقرائن خطأ المزيد في السند ، واتصال السند الآخر الخالي عن ذلك يقال: (مزيد في متصل الإسناد) ، وفي عبارة أخرى: (مزيد في أصل السند المتصل) . كما في المثال الذي أورده ابن الصلاح ، ولم يحكم النقاد على المزيد فيه بأنه وهم وخطأ إلا على أساس القرائن المحيطة به.
وهي واضحة بجلاء في قول أبي حاتم ، حين قال: وهم ابن المبارك في زيادة (أبا إدريس) لأن بسر بن عبد الله روى عن وائلة ولقيه ، ولا أعلم أبا إدريس روى عن واثلة شيئًا ، وأهل الشام اضبط لحديثهم من الغرباء . (العلل 1/368 - 369) .
يعني أبو حاتم بذلك أن رواية أبي إدريس عن واثلة غريبة ، وللنقاد في مثل ذلك مصطلح معروف وهو: (هذا لا يجيء) ، ويرونه قرينة قوية على وجود خطأ في الرواية . وهذا أمر دقيق لا يقتنع به إلا من مارس لغة القوم ومنهجهم في النقد ، وللأسف نرى في كثير من الأبحاث المعاصرة ظاهرة الاعتراض على مثل هذا القول بإثبات المعاصرة بين الروايين وإمكانية اللقاء بينهما ، مادحًا لمذهب الإمام مسلم في ذلك . =
وجاء في موضع آخر من كتابه العلل:"وكثير ما يحدث بسر عن أبي إدريس ، فغلط ابن المبارك ، وظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس عن وائلة ، وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه". (العلل 1/349) .
يعني بذلك سلوك الجادة . وبذلك يندرج هذا المزيد تحت المعلول عمومًا أو الشاذ أو المنكر أو المدرج خصوصًا .
وإذا تبين بالقرائن أن اسم الراوي مقحم في السند ، وذكره فيه خطأ ، وأن السند الآخر الذي خلا من ذكره منقطع ، صح أن يقال: مزيد في أصل السند المنقطع ، لكونه مدرجًا فيه ومقحمًا، كما في حديث المكي بن إبراهيم عن ابن جريح عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد أن ابن عباس حدثه عن ميمونة في فضل المسجد النبوي . (التاريخ الكبير 1/302) .
وقد صرح أئمة النقد مثل البخاري والدار قطني بأن ذكر ابن عباس فيه وهم ، والصواب: ما رواه عبد الرزاق وغيره من الثقات عن ابن جريح عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ميمونة . وكذا رواه الليث بن سعد عن نافع بإسقاط (ابن عباس) راويًا عن ميمونة . (سنن السنائي ، كتاب الحج ، باب فضل الصلاة في المسجد الحرام 5/213 ، وصحيح مسلم 9/163 من شرح النووي) .
ولذلك يظل الإسناد منقطعًا ، حيث إن إبراهيم لم يسمع من ميمونة حسب قول ابن حبان . (ثقات ابن حبان 6/6) .
ج- وأما إذا دلت القرائن على أن الراوي حدث مرتين مرة بذكر الواسطة وأخرى بدونها يعني عاليًا ونازلًا فيقال: مزيد في متصل الإسناد ، يعني أن وجود الواسطة في السند لا يدل على انقطاع السند الآخر الذي خلا من الواسطة ، بل كلاهما متصل .
ومثاله: حديث بسرة في الوضوء من مس الفرج ؛ فقد رواه يحيى بن سعيد القطان وعلي ابن المبارك عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة . (سنن البيهقي 1/129) .
ورواه سفيان بن عيينة وجماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان بن الحكم عن بسرة (التمهيد 17/186 ، 188 ، 189 ، وصحيح ابن حبان 3/396) .
وكذلك رواه جماعة عن الزهري عن عروة . (سنن البيهقي 1/129) .
ورواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه سمع عروة يقول: دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء ، فقال مروان: من مس الذكر الوضوء ، فقال عروة: ما علمت ذلك ، فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ". (موطأ الإمام مالك 1/42) .
= هذا وقد رواه شعيب بن إيحاق ، وعنبسة بن عبد الواحد وحميد بن الأسود وغيرهم عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة بالقسة ، بزيادة في آخر الحديث:"قال عروة: ثم لقيت بسرة ، فسألتها عن هذا الحديث ، فحدثتني به عن النبي صلى الله عليه وسلم". (صحيح ابن حبان 3/396 ، ومستدرك الحاكم 1/232) .
قال ابن حبان:"وأما خبر بسرة الذي ذكرناه فإن عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم عن بسرة ، فلم يقنعهم ذلك ، حتى بعث مروان شرطيًا له إلى بسرة فسألها ، ثم أتاهم فأخبرهم بمثل ما قالت بسرة فسمعه عروة ثانيًا عن الشرطي عن بسرة ، ثم لم يقنعه ذلك حتى ذهب إلى بسرة فسمع منها . بالخبر عن عروة عن بسرة متصل ليس بمنقطع ...". (صحيح ابن حبان 3/396) .
وقال ابن خزيمة:"ويقول الشافعي أقول؛ لأن عروة قد سمع خبر بسرة منها ، لا كما توهم بعض علمائنا أن الخبر واه لطعنه في مروان". (صحيح ابن خزيمة 1/23) .
د- وأما في حالة وجود القرائن التي تدل على ثبوت المزيد في السند ، وأن الإسناد بدون ذكره يكون منقطعًا فلا يقال: مزيد في متصل الإسناد . كما في حديث سعيد بن عامر عن جويرية بنت أسماء عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنه حديث: (وافقت ربي في ثلاث) ، وقد رواه محمد بن عمر المقدمي عن سعيد بن عامر عن جويرية عن رجل عن نافع .
ولعل من القرائن الدالة على ثبوت المزيد بين جويرية ونافع أن جويرية مكثر عن نافع جدًا ، فلو كان هذا الحديث عنده عنه لما رواه عن رجل مبهم عنه . (جامع التحصيل ص132) .
قال الحافظ العلائي - وهو يشرح هذه القرينة -:"وحاصل الأمر أن الراوي متى قال: (عن فلان) ، ثم أدخل بينه وبينه في ذلك الخبر واسطة ، فالظاهر أنه لو كان عنده عن الأعلى لم يدخل الواسطة ؛ إذا لا فائدة في ذلك ، وتكون الرواية الأولى مرسلة إذا لم يعرف الراوي بالتدليس وإلا فمدلسة ، وحكم المدلس حكم المرسل كما تقدم ، وخصوصًا إذا كان الراوي مكثرًا عن الشيخ الذي روى عنه بالواسطة ، كهشام بن عروة عن أبيه ، ومجاهد عن ابن عباس ، وغير ذلك مما تقدم من الأمثلة ."
فلوا أن هذا الحديث عنده عنه لكان يساير ما روى عنه ، (كذا ولعل الصواب: وما رواه عن الواسطة عنه) ، فلما رواه بواسطة بينه وبين شيخه المكثر عنه عُلم أن هذا الحديث لم يسمعه منه، ولا سيما إذا كان ذلك الواسطة رجلًا مبهمًا أو متكلمًا فيه". (المصدر السابق) ."
هـ- وإذا لم توجد القرائن الدالة على صواب المزيد أو خطئه فهذا يكون قسمًا آخر من المزيد، وينطبق عليه ما ذكره الإمام ابن الصالح من مراعاة ظواهر السند،ومع ذلك لا يصفو المقام من=
= كدر الإشكال الذي أشار إليه الإمام ابن الصلاح في نوع المرسل الخفي بقوله هذا:"وهذا وما سبق في النوع الذي قبله (يعني الإرسال الخفي والمزيد في متصل الإسناد) يتعرض لأن يعترض بكل واحد منهما على الآخر". (مقدمة ابن الصلاح ، ص291) ، وانظر: تلخيص الحافظ العلائي في جامع التحصيل . والله أعلم .