والمضطرب هو الحديث الذي يختلف فيه راو ، أو الرواة على أكثر من وجه ، كالوصل الإرسال ، أو الوقف والرفع ، أو الزيادة والنقص ، مع اتحاد مصدرهم ، ولم يستقم الجمع بينها ، ولا الترجيح على منهج المحدثين النقاد ، لا على التجويز العقلي المجرد (1) .
والاضطراب يضر في صحة ما وقع فيه ، وقد يؤثر ذلك في صحة الحديث بكامله ، أو لا يؤثر إلا في القدر الذي وقع فيه الاضطراب من الحديث ، سواء أكان في السند أم في المتن .
والنقاد يعلون من الحديث ما وقع فيه الاضطراب ، ويكون قصدهم بذلك القدر الذي وقع فيه دون غيره ، ولا يمنعهم ذلك من الاحتجاج بما لم يقع فيه الاضطراب من سياق الحديث، والاعتماد عليه ، ولذا نرى الشيخين في صحيحهما يوردان الأحاديث التي فيها اضطراب ، لكن الغرض من ذلك هو اعتماد القدر الذي لم يقع فيه ، وليس الحديث كله ، كما هو ظاهر من صنيع الإمام مسلم في ترتيبه للأحاديث ، ومن العناوين الجزئية التي وضعها الإمام البخاري لتلك الأنواع من الأحاديث (2) .
وقد سرد الحافظ ابن حجر أمثلة كثيرة من هذا النوع في كتابه النكت ، ومنها:
حديث جابر في وفاء دين أبيه .
يقول الحافظ ابن حجر:
"فإنه مخرج في الصحيح من عدة طرق ، وفي سياقه تباين لا يتأتى الجمع فيه إلا بتكلف شديد ، لأن جميع الروايات عبارة عن دين كان على أبيه ليهود فأوفاهم من نخله ذلك العام ."
ففي رواية وهب بن كيسان أنه كان ثلاثين وسقًا ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كلمه في الصبر فأبى ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم النخل فمشى فيها ، ثم قال لجابر رضي الله عنه:"جد (3) له"فجد له بعد ما رجع النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي حديث عبد الله بن كعب عن جابر:"أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم أن يقبلوا ثمر الحائط ، ويحللوه ، فأبوا ..".
وفي رواية الشعبي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"اذهب فبيدر كل ثمر على ناحية"، وأنه صلى الله عليه وسلم طاف في أعظمها بيدرًا ، ثم جلس صلى الله عليه وسلم فقال:"ادع أصحابك ، فما زال يكيل لهم حتى أدى الله تعالى أمانة والدي ، وفي آخره فسلم الله البيادر كلها" (4) .
ففي حمل هذه الروايات اختلاف شديد كما ترى ، وفي حملها على التعدد بعدّ وتكلف، والأقرب حملها على ما أشرنا إليه أن المقصود من جميعها البركة في التمر بسبب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الاختلاف وقع من بعض الرواة (5) .
ومنها: حديث عائشة في ضياع العقد ونزول آية التيمم ، وبعد أن سرد وجوه الاضطراب في بعض تفاصيل القصة نقل عن ابن عبد البر قوله:
"ليس اختلاف النقلة في العقد ولا في القلادة ولا في الموضع الذي سقط ذلك فيه، ولا في كونها لعائشة أو لأسماء ما يقدح في الحديث ، ولا يوهنه لأن المعنى المراد من الحديث المقصود هو نزول آية التيمم ، ولم يختلفوا في ذلك" (6) .
ومنها: حديث الواهبة نفسها .
يقول الحافظ ابن حجر: واختلف الرواة على أبي حازم .
فقال مالك وجماعة معه:"فقد زوجتكها".
وقال ابن عيينة:"أنكحتكها".
وقال ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن:"ملكتكها".
وقال الثوري:"أملكتكها".
وقال أبو غسان: أمكناكها .
وأكثر هذه الروايات في الصحيحين ، فمن البعيد جدًا أن يكون سهل بن سعد شهد هذه القصة من أولها إلى آخرها مرارًا عديدة ، فسمع في كل مرة لفظًا غير الذي سمعه في الأخرى، بل ربما يعلم ذلك بطريق القطع أيضًا .
فالمقطوع به أن النبي صلى الله عليه وسلم يم يقل هذه الألفاظ كلها مرة واحدة تلك الساعة ، فلم يبق إلا أن يقال:"إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفظًا منها ، وعبر عنه بقية الرواة بالمعنى" (7) .
فواضح جدًا أن الاضطراب وقع في تلك الكلمة ، حيث لا يدري أيها ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الوقت نفسه يجزم بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل جميع الألفاظ ، ومع هذا الاضطراب اتفق البخاري ومسلم على روايته في الصحيحين ، اعتمادًا منهما على القدر المتفق عليه من الحديث ، وذلك واضح من العناوين التي ذكرها البخاري ، وهي:
باب وكالة المرأة في النكاح .
باب إذا كان الولي هو الخاطب .
باب صادق النساء .
باب التزويج على القرآن .
باب تزويج المعسر .
وليس في هذه الأبواب ما له صلة بما اضطرب الرواة فيه ، وإنما جميعها في الاحتجاج بالمتفق عليه بين الرواة ، أو بالذي لم يقع فيه الاضطراب .
وفي ضوء ما سبق يتبين أن الحديث المضطرب نوع من أنواع المعلول ، وأن فيه خطأ، غير أنه لا يُدري في أي رواية من الروايات المختلفة ذلك الخطأ ، ولذلك لم يتم الجمع بين تلك الوجوه المختلفة ، ولا الترجيح فيما بينها على قواعد المحدثين النقاد .
والاضطراب ، أيًا كان نوعه ، يضر في صحة ما وقع فيه ذلك .
أخيرًا تبين جليًا أن العلة تشمل الشاذ والمنكر والمضطرب ، وما يتفرع عن الشاذ والمنكر من المصحف والمقلوب والمدرج ، وأن منهج المحدثين في معرفة ذلك قائم على مراعاة القرائن والملابسات التي تحيط بالحديث ، وأن هذه الأنواع جميعًا تشكل وحدة موضوعية لدورانها على نقطة المخالفة أو نقطة التفرد التي تدل على خطأ الراوي ، سواء أكان ثقة أم ضعيفًا . والله أعلم.
(1) هذا وقد استعمل النقاد لفظ الاضطراب في غير معناه الاصطلاحي ، وهي معنى الاختلاف. ومن ذلك قول أبي حاتم:"قد اختلفوا في هذا الحديث فاضطربوا والصحي حديث سلمة بن كهيل" (العلل 1/402) ، وحسب التعريف السابق لا يكون هذا الاختلاف اضطرابًا ؛ إذ تم الترجيح فيه ، ولذلك أمثلة كثيرة في كلام النقاد ، ولذا يجب التفطن إلى ذلك عند فهم نصوص النقاد . والله أعلم .
(2) ولذا فإنه لا ينبغي الفهم من ذلك أن الشيخين صححًا ذلك اللفظ الذي وقع فيه الاضطراب، هذا وقد يتصرف أحدهما في هذا النوع من الأحاديث بحذف ما وقع فيه ذلك ، أو قد يروي الحديث بكامله دون حذف ذلك الجزء المضطرب ، باعتبار كون ذلك مسموعًا من شيخه ، ويحدث كما سمع دون تصرف فيه .
(3) جد التمر يجده والجداد الحصاد والقطاف . (لسان العرب: مادة جدد) .
(4) البيدر هو الموضع الذي يداس فيه الطعام .
(5) النكت 2/802 - 803 .
(6) النكت 2/806 .
(7) النكت 2/810 .