فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 87

وأما الترجيح بين الصحيحين فقد استقر الأمر فيه أن صحيح الإمام البخاري أصح من صحيح الإمام مسلم ، وقد أبدع الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تحرير ذلك من خلال أدلة كثيرة في كتابه (هدي الساري) وكتابه (النكت) ، وصار ذلك عمدة لمن جاء بعده.

ونجملها في النقاط التالية:

أن الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلًا ، المتكلم فيهم منهم نحو من ثمانين رجلًا ، والذين انفرد مسلم بإخراج حديثهم دون الخباري ستمائة وعشرون رجلًا . المتكلم فيهم بالضعف منهم مائة وستون رجلًا على الضعف من كتاب البخاري.

ولا شك أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه لم يكن يكثر من تخريج أحاديثهم وليس لواحد منهم أحاديث كثيرة أخرج البخاري كلها أو أكثرها إلا حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ، بخلاف مسلم فإنه يخرج أكثر هذا النوع من الأحاديث ، كحديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه ، وحديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وحديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه ، وحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ونحوهم .

أن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وعرف أحوالهم واطلع على أحاديثهم فميز جيدها من رديها بخلاف مسلم فإن أكثر من تفرد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه من المتقدمين . ولا شك أن المرء أشد معرفة بحديث شيوخه وبصحيح حديثهم من ضعيفه ممن تقدم عن عصرهم .

أن أكثر هؤلاء الرجال الذين تكلم فيهم من المتقدمين يخرج البخاري أحاديثهم غالبًا في الاستشهادات والمتابعات والتعليقات بخلاف مسلم ، فإنه يخرج لهم الكثير في الأصول والاحتجاج ، وهذه الأوجه الأربعة كلها تتعلق بعدالة الرواة .

وبقي ما يتلعق بالاتصال ، هو:

أن مسلمًا كان مذهبه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعمعن ومن عنعن عنه وإن لم يثبت اجتماعهما . والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة واحدة

وقد أظهر البخاري هذا المذهب في التاريخ وجرى عليه في الصحي وهو مما يرجح به كتابه ، لأنا وإن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال فلا يخفي أن شرط البخاري أوضح في اتصال . وبهذا يتبين أن شرطه في كتابه أقوى اتصالًا وأشد تحريًا. والله أعلم (1) .

(1) هذا ما حرره الحافظ ابن حجر في ترجيح البخاري على صحيح مسلم ، وما ينبغي ذكره في هذا الصدد أن ما تجري فيه الموازنة بين الكتابين هو ما ينفرد به كل منهما من الأحاديث ، كما هو جلي من سياق الحافظ ابن حجر السابق ذكره .

فأما الحديث الذي يتفقان في مخارجه فلا يدعو إلى الموازنة بينهما إلا باعتبار شيوخهما ، وقد يتفقان في الشيوخ أيضًا ، ولا تفيد مثل هذه الموازنة التي تقع في الجزء الأخير من إسناديهما سوى علو إنساد البخاري بالنسبة إلى مسلم ، وهذا العلو والنزول أمر نسبي ، وإن كان معظم ما رواه نسلم نازلًا بالنسبة إلى الإمام البخاري فإنه يظل عاليًا ، بل يكون أعلى بالنسبة إلى الإمام مسلم ، ولا شك أن أعلى أسانيد الإمام البخاري لا يظفر به تلميذه الإمام مسلم لصغره . ونتائج مثل هذه الموازنة لا تؤثر في مستوى الكتابين ، ولهذا اتفق الجميع على أن أعلى مراتب الحديث الصحيح ما اتفقنا عليه.

واضرب لك المثال: حديث:"إنما الأعمال بالنيات.."، اتفق الشيخان على روايته من مخارج متعددة ، حتى كان الإمام مسلم يشترك مع الإمام البخاري في شيخه المباشر ، ومع ذلك فإن الرواية تعتبر عالية بالنسبة إلى كل منهما ، وهذا الحديث الذي اتفقا في أقرب مخارجه لا يمكن أن يصلح مجالًا للتفاضل بينهما .

وإذا كان اتفقا الشيخين على النحو الذي رأينا في المثال المذكور هو النصيب الأوفر من أحاديث الصحيحين فإن التفاضل إنما يكون في القدر الذي ينفرد به كل منهما عن الآخر سندًا أو متنًا ، وعليه فإن ترجيح صحيح البخاري على مسلم يكون بالنسبة إلى بعض الأحاديث التي ينفرد بها كل منهما، ولا يكون لهذا الحكم اعتبار إذا نظرنا في أغلب أحاديثهما المتفق عليهما ، ولذا يكون من الأفضل أن نقول بناءً على الأغلب أن الصحيحين أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل .

أما قول الحافظ ابن حجر بكثرة الرواة المتكلم فيهم في صحيح مسلم فيعود سبب هذه الكثرة إلى أسلوبه المتمثل في رواية المتابعات التي قد تكون من رواية المتكلم فيه ، ولم يكن سالكًا فيه مسلك الإمام البخاري في التعليق ، ولا يعني بذلك تساهل مسلم في شروط الصحيح ، وأما البخاري فقد كان يورد هذا النوع من الأحاديث معلقة في أغلب الأحيان مما أدى إلى قلة عدد الرواة المتكلم فيهم في صحيحه . =

= كما ينبغي أ، نذكر أن رواية (حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس) تعتبر من الطبقة العليا ، من سلسلة الأسانيد ، بل من الأئمة من يرجحها على رواية حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ، وإكثار مسلم لهذا النوع من الروايات يكون على أساس اختيار أصح الإسناد ، وليس على وجود تساهل منه وعدم دقته في النقد ، وهذا رسم توضيحي لاتفاق الشيخين في رواية حديث:"إنما الأعمال بالنيات"في مخرجه:

يوضح الرسم الأول صورة اشتراك الإمامين في عبد الله بن مسلمة عن مالك كما أنهما اشتكرا في مخرجي الحديث مالك وسفيان ، بينما يوضح الرسم الثاني اشتراكهما في مخرج الحديث الرئيسي، وهو يحي بن سعيد ، بالنسبة إلى بقية الروايات ، وفي كلتا الحالتين يساوي عدد الرواة بين الإمامين وبين مخرج الحديث ، وهذا كما ترى يعتبر حديثًا واحدًا اتفقًا في المخرج ولا مجال فيه للموازنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت