وإن كان التدليس يتنوع بأنواع كثيرة ، فإن هذه الأنواع جميعًا تدور على قسمين اثنين ، وهما:
تدليس الإسناد .
تدليس الشيوخ .
أما تدليس الإسناد فيكون بإسقاط الراوي المدلس شيخه المباشر ، أو بإسقاطه شيخ شيخه، ويظل الإسناد في كلتا الحالين يوهم بظاهره أنه متصل ، لوجود معاصرة أو لقاء أو سماع بين الراويين الذين سقط من بينهما راو .
ويطلق في الحال الثانية التي يسقط فيها الراوي شيخ شيخه:"تدليس التسوية"ويقال أيضًا:"سوى فلان" (1) .
وقد اشتهر بالتدليس وتدليس التسوية كثيرة من الرواة ، منهم الوليد بن مسلم، كان يسوي بين الأزاعي والزهري ، يعني يحذف شيخ الأوزاعي ثم يعنعن عن الزهري ، بحيث يتوهم من ظاهر العنعنة أن الأوزاعي قد سمع ذلك الحديث من الزهري ، وهو لم يسمعه منه ، مع أن الأوزاعي من تلاميذ الزهري .
ولكون هؤلاء المحدثين معروفين بالتدليس والتسوية ، فإن روايتهم لا تحمل على الاتصال، إلا إذا تبين من القرائن أنه لم يتم إسقاط راو من السند ، كأن يثبت تصريح الراوي المدلس بالتحديث في طبقة شيوخه أو الطبقة التي فوقها ، إن كان موصوفًا بتدليس التسوية ، أو غير ذلك في القرائن .
وأما إذا قالوا في أحد الموضعين من الإسناد: (قال فلان) ، أو (عن فلان) فلا تحمل روايتهم على الاتصال ، لاحتمال أن يكون منقطعًا ، وهذا الانقطاع يكون أكثر غموضًا من جميع أنواع الانقطاع السابق ذكرها . وكان ينبغي له أن يقول في حال إسقاط شيخه: (أخبرت عن فلان) أو (نبئت عن فلان) ونحوهما من العبارات التي تدل على انقطاع السند .
ومن أنواع تدليس الإسناد (تدليس العطف) ؛ كأن يقول الراوي: (حدثنا فلان وفلان) وهو لم يسمع من الثاني المعطوف ، وممن يعمل ذلك هشيم بن بشير .
ومنها: (تدليس السكوت) كأن يقول الراوي: (حدثنا) ، أو (سمعت) ثم يسكت ، فيذكر اسم شيخه ، وهو لم يسمع منه ذلك الحديث الذي رواه .
وممن أتهم بذلك عمر بن عبيد الطنافسي وكان يقول: (حدثنا) ثم يسكت ، وينوي القطع ، ثم يقول: (هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) (2) .
وإن كان الحديث المدلس لا يخرج من كونه منقطعًا في ضوء ما سبق ، لكن لا يعني بالضرورة احتمال الانقطاع في كل ما رواه مدلس بالعنعنة أو نحوها ، وذلك لأن بعض الرواة قد يوصف بالتدليس لكونه قد سمع بعض الأحاديث من شيخه ، وأخذ الباقي من الكتاب وجادة ، ثم حين يروي عن شيخه هذا لا يكون صريحًا في كيفية تلقيه منه الحديث ، ولا يفرق في الرواية بين ما سمعه منه مباشرة ، وبين ما أخذه من الكتاب وجادة ، لذا فإن الحديث الذي روى عنه بالعنعنة يحتمل أن يكون مما سمعه منه مباشرة ، أو مما أخذه من الكتاب وجادة .
وما أخذه من الكتاب وجادة دون سماعه من شيخه قد يكون مصحفًا ، فإذا وافقه غيره في الحديث من القثات زال ما يخالف في حديثه من تحريف وتصحيف ، وشأنه في ذلك شأن شيء الحفظ سواء بسواء .
وممن يعرف بذلك أبو الزبير المكي ، وذلك في حديثه عن جابر ، وكذا عمرو بن شعيب فيما يخص حديثه عن أبيه (3) .
أما القسم الثاني - وهو تدليس الشيوخ - فيذكر الراوي شيخه بما لم يشتهر به ، اسمًا كان أو كنية أو لقبًا . مثاله ما قال الإمام أحمد:
بلغني أن عطية العوفي يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير ، وكان يكنيه بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد قال أبو سعيد . والكلبي غير مشهور بهذه الكنية ، والذي أشتهر بها هو الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري ، ويتوهم من قوله: (قال أبو سعيد) أنه سعيد الخدري ، لكنه يريد الكلبي (4) .
وأطلق التدليس على هذا لمجرد وجود إيهام فيه أنه شخص آخر (5) .
(1) عن أبي زرعة الدمشقي يقول: كان صفوان بن صالح ومحمد بن مصفى يسويان الحديث ، قال الحافظ ابن حجر: يعني يدلسان التسوية . (التهذيب 4/374) .
ومثاله: ما رواه أحمد والطبراني من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء عن ابن عمر ، ورواه أحمد وأبو داود من طريق عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر وقال الحافظ في بلوغ المرام: ورجاله ثقات ، وقال في التلخيص: الأعمش مدلس ولم يذكر سماعه من عطاء ، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخرساني ، فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر انتهى. (انظر: التخليص الحبير 3/19 ، ونيل الأوطار 5/318) ، وبالنسبة إلى رواية الأعمش عن عطاء يقال تدليس إذا حذف فعلًا شيخه فيه ، وكان بين الأعمش وعطاء معاصرة ، أو لقاء وسماع .
ومثال آخر للتدليس: ما رواه عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عن الحسن بن ذكوان عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الميتة . وهذا الحديث لم يسمعه الحسن بن ذكوان من حبيب بن أبي ثابت ، إذ رواه أبو معمر: حدثني عبد الوارث عن الحسن بن ذكوان عن عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت ، وعمرو هذا منكر الحديث، فدلسه الحسن عنه . (معرفة علوم الحديث ص109 ، بتصرف) .
وقد نرى بعض المعاصرين يعلقون على مثل هذا الحديث بأنه يحتمل أن الحسن بن ذكوان له إسنادان: أحدهما عال والثاني نزال !
(2) انظر: فتح المغيث 1/173 للسخاوي .
(3) انظر: معرفة علوم الحديث للحاكم ص104 ، ففيه أسماء أخرى لمن وصف بهذا النوع من التدليس.
(4) هذا بالنسبة إلى التفاسير التي يرويها عطية عن الكلبي ، دون الأحاديث . (أنظر: شرح العلل لابن رجب الحنبلي ص475) .
(5) ومن الرواة المتأخرين - أصحاب النسخ - من يذكر شيوخه بأوصاف متنوعة على سبيل التنوع .