المتابعة هي عبارة عن مشاركة بين الرواة في رواية حدث عن صاحبه ، أو عن مصدره ، القريب أو البعيد ، مع اتفاقهم سندًا ومتنًا ، ودون زيادة أو نقص ، وتعد كل رواية متابعة لأخرى ، ويقال في هذا المجال: تابعه فلان وفلان .
ومثاله ما رواه البخاري:
حدثنا ملك بن إسماعيل حدثنا ابن عيينة عن الزهري قال: قال السائب بن يزيد رضي الله عنه ذهبنا نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع .
حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري عن السائب بن يزيد يقول: أذكر أني خرجت من الغلمان إلى ثنية الوداع نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .
فرواية علي بن عبد الله تعد متابعة لمالك بن إسماعيل ، أو بالعكس ، لأنهما اشتركا في رواية هذا الحديث عن سفيان بن عيينة - وهو مصدر الحديث القريب - مع اتفاقهما سندًا ومتنًا (2) .
وهذه المشاركة من شأنها أن تزيل الشبهات والمخاوف حول مدى حفظ كل واحد منهم لما رواه من الحديث ، بخلاف التفرد ، والمخالفة ، فإنهما تثيران ريبة حول حفظ ما تفرد به ، أو خالف فيه غيره ، وقد سبق الكلام في تفاصيلهما في الموضوع الثاني من هذه الوحدة .
ومن الجدير بالذكر أن المتابعة قد تبدو للباحث حقيقة ، لكنها وهم من بعض الرواة. ويشير إلى ذلك النقاد أحيانًا بقولهم: (لا يصح في الباب شيء) ، أو (لا يعرف إلا من هذا الوجه) ، أو (تفرد به فلان) ، لكن كثيرًا من الباحثين لا يتفطنون لذلك ، فيظنون تلك المشاركة الوهمية ، أو الطرق غير المتفقة ، طرقًا متعددة ، ثم يوظفونها في تقوية الحديث وإزالة الشبهات حول حفظ الراوي الضعيف .
ومثاله: حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) ، روي من عدة طرق وعن أكثر من صحابي ومع ذلك ، يقول الإمام أحمد: (ليس فيه شيء يثبت) .
ويقول ابن سيد الناس: (لا يخلو هذا الباب من حسن صريح ، وصحيح غير صريح) (3) .
وأما إذا كانت المشاركة في الحديث بين صحابيين أو أكثر ، مع اتفاقهم في المتن وإن لم يكن بلفظه ، دون اختلافهم - زيادة ونقصًا ، أو تعميمًا وتخصيصًا ، أو إطلاقًا وتقييدًا - فيعد حديث كل واحد منهم شاهدًا للآخر .
وقد يكون هذا التعدد أيضًا نتيجة وهم بعض الرواة ، لعدم حفظه لما يرويه ، وتداخل الأحاديث عليه ؛ فأضاف الحديث إلى صحابي آخر وهمًا وخطأ.
مثاله: حديث:"إنما الأعمال بالنيات"اتفق النقاد على أنه قد تفرد به يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، على الرغم من أنه رواه ابن أبي رواد عن مالك عن عطاء عن أبي سعيد مرفوعًا . وذلك لأن رواية ابن أبي رواد خطأ ، وكان من المفروض أن يروي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر ، كما روى غيره من الثقات .
ومثال آخر: حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) روي عن أبي هريرة وأبي سعيد وسعيد بن زيد وغيرهم . وقد قال فيه الإمام أحمد: (لا أعلم في التسمية حديثًا صحيحًا، وأقوى شيء فيه حديث أبي سعيد) كما رجحه إسحاق بن راهويه . ومعنى هذا الترجيح أنه لم يعتبر ما روي عن أبي هريرة وسعيد بن زيد وغيرهما شواهد من شأنها تقوية الحديث بمجموعها، بل قام بترجيح حديث أبي سعيد .
وأما المتأخرون فمنهم من اعتبرها شواهد ، ثم قوى بها الحديث ، بحجة أن الطرق يقوي بعضها بعضًا (4) .
لذا ينبغي التفطن لذلك عند توظيف هذه المشاركة في تقوية الحديث الضعيف ، وهذه المسألة من أدق المسائل تنظيرًا ، وأصعبها تطبيقًا .
(1) فتح الباري 6/191 ، 8/126 .
(2) وإذا كان المشاركة بينهما في الزهري دون سفيان ، تكون المشاركة في المصدر البعيد ، ومثاله يروي علي بن عبد الله عن هشيم عن الزهري ، ويروي مالك بن إسماعيل عن سفيان عن الزهري ، وتسمى رواية علي بن عبد الله متابعة لمالك إلا أنها ناقصة ، وأما الصورة الأولى فتسمى (المتابعة التامة) .
(3) أنظر: (نيل الأوطار 1/134) ، وراجع كتاب الموازنة للمؤلف ، ففيه أمثلة لذلك .
(4) أضرب هنا مثالًا آخر ، روى الإمام النسائي من طرق متعددة حديث عمر: (أمر بامرأة مجنونة أن ترجم ، لكونها زنت . فمر بها علي ، فقال: ارجعوا بها . ثم أتاه فقال لعمر: أما تذكر أن رسول الله قال ... فذكره ، فقال: صدقت وخلى عنها) .
ثم قال النسائي:"لا يصح منها شيء ، والموقوف أولى بالصواب".
غير أن الحافظ ابن حجر قال:"وهذه طرق يقوي بعضها بعضًا" (فيض القدير 4/36) .
أقول: عند اختلاف الرواة في الرفع والوقف ، لا ينبغي القول إن تعدد الطرق يقوي بعضها بعضًا، لا سيما وقد رجح النسائي الوقف .
وأنظر مثلًا: حديث القنوت ، وحديث الهوي للسجود ، وحديث ترك رفع اليدين ، وغيرها من أحاديث الأحاكم ، تجد فيها نماذج كثيرة لتقوية الضعيف بتعدد الطرق والمصادر دون أ، ينضبط ذلك بمنهج المحدثين النقاد .