الشاذ نوع من أنواع العلة ، وردت في معناه ثلاثةأقوال (2)
(1) الشاذ اسم فاعل من (شذ) والشذوذ في اللغة: الانفراد . ولابن حزم فيه كلام جميل ، أنقله هنا، وهذا نصه:
(الباب السابع والعشرون في الشذوذ) : الشذوذ في اللغة التي خوطبنا بها هو الخروج عن الجملة ، وهذه اللفظة في الشريعة موضوعة باتفاق على معنى ما ، واختلف الناس في ذلك المعنى .
فقالت طائفة: الشذوذ هو مفارقة الواحد من العلماء سائرهم ، وهذا قول قد بينا بطلانه في باب الكلام في (الإجماع) من كتابنا هذا . والحمد لله رب العالمين .
وذلك أن الواحد إذا خالف الجمهور إلى حق ، فهو محمود ممدوح ، والشذوذ مذموم بإجماع، فمحال أن يكون المرء محمودًا مذمومًا من وجه واحد في وقت واحد ، وممتنع أن يوجب شيء واحد الحمد والذم معًا في وقت واحد من وجه واحد ، وهذا برهان ضروري .
وقد خالف جميع الصحابة رضي الله عنهم أبا بكر في حرب أهل الردة ، فكانوا في حين خلافهم مخطئين كلهم ، فكان هو وحده المصيب فبطل القول المذكور .
وقال طائفة: الشذوذ هو أن يجمع العلماء على أمر ما ، ثم يخرج رجل منهم عن ذلك القول الذي جامعهم عليهم ، وهذا قول أبي سليمان وجمهور أصحابنا .
وهذا المعنى - لو وجد - شذوذ وكفر معًا لما قد بينا في باب (الكلام في الإجماع) : أن من فارق الإجماع ، وهو يوقن أنه إجماع ، فقد كفر ، مع دخول ما ذكر في الامتناع والمحال ، وليت شعي متى تيقنا إجماع جميع العلماء كلهم في مجلس واحد ، فيتقون ثم يخالفهم واحد منهم .
والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق: إن حد الشذوذ هو مخالفة الحق ، فكل من خالف الصواب في مسألة ما ، فهو فيها شاذ ، وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم ، أو بعضهم ، والجماعة والجملة هم أهل الحق ، ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد فهو الجماعة ، وهو الجملة .
وقد أسلم أبو بكر وخديجة رضي الله عنهما فقط ، فكانا هم الجماعة ، وكان سائر أهل الأرض غيرهما وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الشذوذ .
وهذا الذي قلنا لا خلاف فيه بين العلماء ، وكل من خالف فهو راجع إليه ، ومقربه ، شاء أو أبى والحق هو . (الإحكام لابن حزم 5/82) .
(2) آراء الأئمة حول الشاذ:
قال يونس بن عبد الأعلى قال لي الشافعي: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ ، إنما أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس . هذا الشاذ من الحديث. (نقله الحاكم في معرفة علوم الحديث ، ص119) .
قال الحافظ الخليلي: الشاذ عند حافظ الحديث ما ليس له إلا إسناد واحد ، يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة ، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به . (الإرشاد 1/176) .
قال الحاكم: الشاذ غير المعلول فإن المعلول ما يتوقف على علته: أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد ، فوصله واهم ، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث بمتابع لذلك الثقة. (معرفة علوم الحديث ص119) .
وأن كانت نصوصهم هذه حول المقصود بالشاذ مختلفة بعضها عن بعض فإنها تدور جمعيًا على معنى الغرابة التي تقع في الحديث لسبب مخالفته الراجح ، أو تفرد راويه به وليس له أصل.
هل تعتبر هذه النصوص تعريفات أو توضيحات ؟
إذا نظرنا إلى هذه النصوص ، كأنها توضيحات ، ينبغي فهمها في ضوء سياقها ، وجمع ما له صلة بالموضوع من النصوص ، وعملهم التطبيقي ، فلا يوجد فيها تناقض ولا اختلاف منهجي، ولا إشكال من حيث الاصطلاح ، ما سيأتي شرح ذلك مفصلًا إن شاء الله تعالى .
أما إذا قرأناها باعتبارها تعاريف متنوعة لمصطلح الشاذ ، نجد بعضها غير مانع من أن يدخله ما ليس منه ؛ كغرائب الصحيح ، مما دفع علماءنا من المتأخرين إلى ترجيح ما قاله الإمام الشافعي، لاستيفائه من عناصر التعريف ما لم يستوف قول الحاكم ، وما نقله الخليلي عن الحافظ .
فإن كان قول الحاكم والخليلي لا يمنعان دخول الأحاديث الصحيحة التي تفرد بها الثقات في مفهوم الشاذ ، فإنه حسب قول الشافعي لا تكون تلك الأحاديث شاذة ، إذ اشترط في اشاذ المخالفة . وبذلك استقر مصطلح الشاذ في كتب المصطلح على المعنى الذي نص عليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى .
كيف قرأ المتأخرون هذه الأقوال ؟
ويمكن أن نقرأ في قول الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى ، ما يدل على أنه كان ينظر إلى نصوص الأئمة حول الشاذ من منطلق صناعة التعريف ، وخصائصه المنطقية ، ولهذا اعتمد ظاهر تلك الأقوال في فهم مغزاها ، ولم يقبل منها ما كان يكتنفه غموض وإشكال - كقول الحاكم وقول الخليلي - وإن كان قصدهما واضحًا وجليًا من خلال عرض هذين القولين على صنيعهما في التطبيق العملي ، وما ورد عنهما من النصوص في مناسبات أخرى ، وذلك لأنه مخالف لخصائص التعريف المنطقي . =
= يقول ابن الصلاح رحمه الله تعالى:
"أما ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه غير مقبول ، وأما ما حكيناء عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط كحديث:"إنما الأعمال بالنيات"فإنه حديث فرد تفرد به عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص ، ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم ، ثم عنه يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث".
"وأوضح من ذلك في ذلك: حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر (أن النبي صلى ا لله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته) تفرد به عبد الله بن دينار ، وحديث مالك عن الزهري عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر) تفرد به مالك عن الزهري".
"كل هذه مخرجة في الصحيحين مع أنه ليس لها إلا إسناد تفرد به ثقة . وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة ، وقد قال مسلم بن الحجاج: للزهري نحو تسعين حرفًا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد . والله أعلم".
"فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم ، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه".
ثم لخص ابن الصلاح ذلك بقوله:
"فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان:"
أحدهما: الحديث الفرد المخالف .
والثاني: الفرد الذي ليس في روايه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف ، والله أعلم". (مقدمة ابن الصلاح ، ص78 - 79) ."
فهذب الإمام ابن الصلاح إلى هذا التلخيص ، وحاول أن يكون ذلك بعيدًا عن الاعتراض الذي سبق إيراده على إطلاق الحاكم والخيلي ، ويكون مصطلح الشاذ أكثر تحديدًا وضبطًا لدى الطلبة جاء تقسيمه للشاذ إلى قسمين:
أحدهما: الفرد المخالف:
يكون مرجع هذا القسم قول الشافعي ، غير أن ابن الصلاح خالفه في أمرين:
الأمر الأول: أنه أطلق بقوله:"الفرد المخالف"ولم يوضح هل المخالف هنا الثقة دون الضعيف أو هو عام شامل للثقة والضعيف ، وعلى كل فظاهر هذا القول يكون أعم مما ذكره الشافعي ، حيث جعل رحمه الله تعالى الشاذ خاصًا بالثقة .
والأمر الثاني: أنه اشترط في المخالفة أن تكون منافية ، فقد قال في النوع السادس عشر:
"وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا لما رواه سائل الثقات ، فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ". (مقدمة ابن الصلاح ، ص67) .=
= ولذلك أصبح ابن الصلاح بعيدًا عن منهج الشافعي الذي لم يشترط فيه المنافاة ، بل أطلق المخالفة ، بل أصبح موافقًا لمنهج الفقهاء وأئمة الأصول في ذلك .
والقسم الثاني من الشاذ: ما ينفرد به الضعيف:
وهذا القسم جاء مصححًا لما قاله الحاكم والخليلي ، ومستدركًا عليهما فيما أطلقا ، حيث يدل قولهما في معنى الشاذ على أن ما تفرد به الثقة مطلقًا يعد شاذًا .
استقرار مصطلح الشاذ بعد استدراك الحافظ ابن حجر على الإمام ابن الصلاح .
استدرك الحافظ ابن حجر على تلخيص الإمام ابن الصلاح قائلًا:
"إن الشاذ ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه ، وهذا هو المعتمد في حد الشاذ بحسب الاصطلاح ، وقال: إن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة ، ويفترقان في أن الشاذ روايه ثقة أو صدوق ، والمنكر راويه ضعيف . وقد غفل من سوى بينهما". (نخبة الفكر ص68 ،70) .
وتبعه في ذلك جل المتأخرين ، حتى استقر الرأي في الشاذ على ما رجحه الحافظ ابن حجر .
تأمل في صنيع المتأخرين:
هل كان مصطلح الشاذ مضطربًا عند الحافظ حتى يقال إنه قال استقر بعدهم ؟
وعند التتبع يظهر أنه لم يكن مضطربًا ، بل كان معناه واضحًا ومستقرًا ، ومطابقًا لدلالاته اللغوية، وهي غرابة الحديث ، دون أن يكون له أصل لا رواية ولا عملًا ، سواء خالف الصواب، أم تفرد به الراوي ، ولذا فإن نصوص الأئمة ينبغي اعتبارها توضيحية ، وكثيرًا ما يركزون فيها على جانب المشكل الذي أشكل على المخاطب ، بعيدًا عن صناعة التعريف المنطقي، وبالتالي لا ينبغي أن يكون الغموض واللبس والإشكال سببًا للإعراض عن نصوصهم وأقوالهم ، بل لابد من عرضها على عملهم التطبيقي ، أو على ما ورد عنهم في مناسبة أخرى من النصوص التي قد تكون مفصلة ومفسرة لما هو مبهم ، وفهم مقصودهم من خلال ذلك .
وبما أن النقاد قد استخدموا مصطل الشاذ في الحديث المخالف للصواب ، أو الحديث الغريب الذي لا أصل له ، فإنه لا يجدي نفعًا في تفسير الشاذ الذي ورد في نصوصهم ، بما استقر فيما بعد من المعنى ، بل لابد من معرفة مواقع استعمالهم لذلك ، ثم تفسيره في ضوء ما تدل عليه مناسبة إطلاقهم له ، أو في ضوء منهجهم العام في ذلك .
مثلًا ؛ يقول شعبة: لا يجيئك الشاذ إلا من الرجل الشاذ .
ويقول الترمذي في سياق كلامه عن مصطلح الحسن الذي يكون في سنده راو ضعيف غير متروك:"ولا يكون شاذًا ويروى من غير وجه".
يعني: أن لا يكون ما رواه الضعيف غير المتروك شاذًا ، بل يروى من غير وجه .
وهل يمكن أن نفسر الشاذ في هذين النصين في ضوء تعريف الشاذ المستقر في كتب المصطلح ؟ كلا، إذ الشاذ مرتبط بالثقة ، وهذان النصان بصدد الحديث الغريب الذي تفرد به الراوي الضعيف، ولم يكن له أصل . =
= والتفطن إلى تفاوت اساليب الحفاظ في استخدام كلمة الشاذ ، ثم شرحها في ضوء منهج قائلها ، يشكل أبرز معالم التكوين العلمي الذي نسعى إلى تحقيقه من دراسة علوم الحديث .
قول الإمام الشافعي في الشاذ ليس على صناعة التعريف .
وإن كان ما ذكره الإمام ابن الصلاح - في سبيل ترجيحه قول الإمام الشافعي في تعريف الشاذ- سليمًا حسب صناعة التعريف المنطقي ، لكن هذه النظرة المنطقية تثير التساؤلات الآتية:
لماذا آثر الإمام الشافعي مصطلح الشاذ لشرحه دون غيره من المصطلحات ؟
هل هذا المصطلح فقط يتسم بغموض دون سواه ؟
هل الإمام الشافعي إراد بذلك فعلًا وضع تعريف منطقي لمصطلح الشاذ ؟
هل كان علماء عصره يهتمون بتحديد المصطلحات وتعريفها ، كما كان عليه المتأخرون؟
هل الإمام الشافعي أصبح بذلك مخالفًا للمحدثين ، ويصحح ما يعلونه ؟
هل كان الشافعي يقبل كل ما تفرد به الراوي الثقة مطلقًا ؟
وهذه التساؤلات تكون ملحة حين نعتبر ما قاله الشافعي تعريفًا منطقيًا لمصطلح الشاذ ، وأما إذا قلنا إنه لم يقل ذلك تعريفًا له - وإنما كان ذلك توضيحًا - وشرحًا عابرًا لبعض أعباد هذه الكلمة ، حيث أشكل على من خاطبه به موضوع الاحتجاج بخبر الواحد - فإن ذلك يكون بعيدًا عن إثارة هذه التساؤلات .
وتوضيح ذلك أنه يمكن أن يكون لما قاله الإمام الشافعي فيما يخص الشاذ صلة وثيقة بموقف أهل السنة والجماعة تجاه الأحاديث الآحاد التي يتفرد بنقلها ثقة عن ثقة ، ولم يخالفهم في هذا الموقف إلا أهل البدع ، إذ لم يقبلوا تلك الأحاديث ، ولم يحتجوا بها ، إلا إذا رواها أكثر من واحد ، مع اختلافهم في تحديد العدد الذي ينبغي أن يستكمل في رواية الخبر. (راجع النكت 1/241 - 243) .
وإذا قلنا إن الشاذ معناه ما تفرد به الثقة وأطلقنا ذلك ، فإنه يكون في ذلك ما يعزز موقف أهل البدع ، ولذلك لعله رحمه الله تعالى أنكر بقوله:
"ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره ، (يعني مطلق التفرد) هذا ليس بشاذ ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس ، هذا الشاذ من الحديث".
وإذا كان يفهم من ظاهر هذا النص أن يرف إطلاق الشاذ على تفرد الثقة ، فإنه لا يمكن حمله على ظاهره ، ولا أن يفهم منه أن الإمام الشافعي كان يقبل كل تفرد يقع من الثقة ، وأنه ينتهج في ذلك منهجًا مناقصًا لمنهج المحدثين النقاد ، كلا ، إذ سبق لنا في مسألة الاحتجاج بحديث الخاصة ما يدل على أنه رحمه الله لم يعد يحتج بذلك مطلقًا ، وإنما بشرط بينها هناك .
ومعنى ذلك أنه إذا لم تتوافر هذه الشروط فيما يروي الثقة عن الثقة لم يعد يقبله ، بل كانوا جميعًا متفقين على أن قبول ذلك متوقف على شروط معينة . ولم يكن الإمام الشافعي يحتج بالأحاديث التي يعتبرها الحفاظ شاذة غريبة ، بل كان يعول كثير على نقاد الحديث في مجال التصحيح والتضعيف ، ففي الغالب يقبل ما صححوه ، ويرد ما ضعفوه ، وكان يقول: =
="وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث". (النكت 2/117) .
وقال أيضًا:"فعليك من الحديث بما تعرفه العامة وإياك والشاذ منه". (الأم 7/703-803) .
وهذا يدل على أن الإمام الشافعي يرد الحديث الغريب الذي لا تعرفه عامة المحدثين ، ويعتبره شاذًا مردودًا ، سواء تفرد به ثقة أم خالفه الآخرون فيه ، ولا يختلف في ذلك لا الحاكم ولا الحافظ ، وبالتالي فلا يوجد بينهم تباين منهجي في رد الغريب الذي لا اصل له عمومًا ، سواء أطلق عليه الشاذ أو لا .
المنهج الصحيح في تفسير نصوص الأئمة ومصطلحاتهم العلمية:
ومن المعلوم أ، نصوص النقاد لا ينبغي تأويلها دائمًا باعتماد ظاهرها ، وإنما ينبغي أن يكون ذلك في ضوء طبيعة عملهم التطبيقي ، أو ما ورد عنهم في النصوص في مناسبات أخرى ، فيفسر بنصه أو بعمله التطبيقي ، وإلا يكون التأويل مصدر غموض وشبه وإشكال.
وأوضح مثال يضرب في ذلك ما سبق عن الحاكم في الشاد ، وكذا ما نقله الخليلي عن الحفاظ عمومًا، ومن ينظر إلى ظاهر قوليهما يبدو له أنهما يطلقان الشاذ على جميع ما تفرد به الثقة ، سواء كان له أصل أم لا ، غير أنهما لا يقصدا ذلك يقينًا ، وإنما يريدان فقط الغريب الذي ليس له أصل ، وأما إذا خالف الثقة غيره في ذلك ، فبالأولى أن يكون غريبًا ليس له أصل ، ولذلك ليم يتطرق لذكر حالة المخالفة .
ومما يؤيد هذا التفسير أنهما جميعًا يتفقان على تصحيح الأحاديث الغريبة التي يكون لها أصل من الشواهد ، وأنهما لا يطلقان القول بعدم الاحتجاج بما يتفرد به الثقة ، وهذا لم يقل به أحد من علماء أهل السنة والجماعة سوى المعتزلة .
فقد قال الخليلي:"وأما الأفراد فما يتفرد به حافظ مشهور ثقة أو إمام عن الحفاظ والأئمة فهو صحيح متفق عليه" (الإرشاد 1/167) .
وهذا لا يعني بالضرورة أن أئمتنا المتأخرين لم يتفطنوا لذلك ، كلا ، وإنما نظروا في ذلك من نطلق الصناعة التعريفية ، التي لا يغتفر فيها الغموض ، ولا يقبل فيها دعوى المقصود ، ولذلك اختاروا من النصوص السابقة قول الشافعي ، لكونه أقرب إلى خصائص التعريف المنطقي .
والذي ذكرناه آنفًا فيما يخص قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يشكل تفسيرًا مقنعًا حول سبب اختياره مصطلح الشاذ لتوضيح بعض جوانبه ، دون بقية المصطلحات التي لا تقل عنه أهمية وغموضًا وتعقيدًا .
وفي ضوء ما سبق يمكن القول: إن الشاذ هو كل حديث غريب يتفرد به راو وليس له أصل في الواقع الحديثي أو العملي ، سواء خالفه الآخرون ، أو تفرد به ، تطرق بعضهم لذكر المخالفة، والآخر لذكر التفرد ، ولا شك أن بينهما تلازمًا قد يظهر في بعض الصور ، وقد لا يظهر في أخرى.
وأما إذا تفرد الراوي بما له أصل في الواقع ورواه هو وحده لكثرة ضبطه وتيقظه أو كثرة مجالسته مع شيخه وكثرة سماعه منه فلا يعتبره أحدًا شاذًا غريبًا ، لا الحاكم ولا الخليلي ولا أحد من الحفاظ ، وإن كان ظاهر نصوصهم يوهم ذلك ، فإن عملهم في هذا المجال وما ورد عنهم من النصوص في شتى المناسبات يدل دلالة قاطعة على أن عدم قبول التفرد ليس على إطلاقه ، وإنما هو لديهم مقيد بكونه مما لا أصل له ، إذ مبحثا"الغريب"و"الأفراد"يكونان خير شاهد على ذلك ، حيث لم يختلفوا في تصحيح حديث:"إنما الأعمال بالنيات"وغيره من الأحاديث الغريبة التي يكون لها أصل .
وقد يتعرض على ذلك بالحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه ، وجعله الحاكم مثالًا للشاذ، وهو حديث رواه محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني أبي عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس بن مالك ، كان منزلة قيس بن سعد من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. (معرفة علوم الحديث ص121 - 122) .
ويجاب بأنه يمكن أن الحاكم لا يرى صحته ، فإنه يقول:
"هذا الحديث شاذ ، فإن رواته ثقات ، وليس له أصل عن أنس ، ولا عن غيره من الصحابة بإسناد آخر".
وهذا واضح أنه يضعف الحديث . لا سيما وهو بصدد ذكر الأمثلة للشاذ المردود ، وإن كان يرى صحة هذا الحديث ، بخلاف ما أورده سابقًا في كتابه"معرفة علوم الحديث"من الأمثلة قال: (شاذ، غير أنه صحيح) ، لكنه لم يقل ، بل ترك التعقيب على ذلك الحديث .
ويوافقه في تضعيف الحديث زكريا الساجي ، والأزدي ، فقد أوردا هذا الحديث ، بعد أن قال الأول في عبد الله بن المثني الأنصاري روايه: ضعيف لم يكن صاحب حديث ، وقال الثاني: روى مناكير . (ميزان الاعتدال 2/499) .
ومن الجدير بالذكر أنه اشتهر بين المعاصرين أن ينسب ما نقله الخليلي من الحافظ إلى نفسه هو ، وهذا غير سليم ، وإنما كان قد نقل رأي الحفاظ عمومًا ، وقد يميل إليه الخليلي .
هل الشاذ نوع مستقل عن العلة:
ومما لا حظنا في نص الإمام الحاكم أن يفرق بين الشاذ والمعلول ، حيث قال:"الشاذ غير المعلول"، وهذا لا يعني سوى التفريق بينهما من حيث غموض العلة والخطأ في الشاذ وظهورهما في المعلول ، أما من حيث وجود الخطأ والوهم فلا فرق لديه بينهما ، لكن الشاذ أدق من المعلول .
وبناءً على هذا التفريق لعل ابن الصلاح ذكر الشذوذ والعلة معًا في تعريف الصحيح ، وفي الواقع لا حاجة إلى ذكر الشذوذ حيث يغني عنه ذكر العلة ، لا سيما حسب استقرار لفظ الشاذ في المعنى الذي رجحه الإمام ابن الصلاح ، إذ لا فرق بينهما وأما على قول الحاكم فلا مانع من الجمع بينهما في سياق واحد .
يقول الحافظ ابن حجر معلقًا على نص الحاكم:
"وهو (أي الشاذ) على هذا أدق من المعلل بكثير ، فلا يتمكن الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة ، وكان في الذروة العليا من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة ورزقه الله نهاية الملكة" (نقله الصنعاني في توضيح الأفكار 1/379) . =