فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 87

وإن كان من المسلمات التي لا نزاع فيها بين أهل السنة والجماعة أن الكتاب والسنة من مصادر التشريع ، لكن التطبيق العملي فيما يخص السنة تعرض فيما بعد لنوع من الاختلاف ، ولا سيما حول الذي يكون مصدرًا للعقيدة (1) .

وطرح هذا الموضوع ضمن أنواع علوم الحديث لم يكن مألوفًا لدى نقاد الحديث ، وإنما بدأ يظهر فيها منذ أن ألف الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى كتابه المشهور (الكفاية في علم الرواية) ، حيث تطرق فيه إلى تقسيم الخبر إلى متواتر ، مع بيان ما يفيد كل منهما من يقين وظن ، وتبعه في ذلك اللاحقون ، كما أن هذا الموضوع مما تداخلت فيه الآراء ، واضطربوا في ذكر راجحها كل حسب توجهه الفكري .

والمتتبع لكتب المتقدمين في علوم الحديث يرى أنهم لم يتطرفوا لإثارة هذه المسألة ، من الزاوية التي يفكر فيها علماء الكلام ، وهي التجويز العقلي المجرد ، لكنهم عالجوا خبر الآحاد من زاوية وجوب العمل به ، إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما نلمس ذلك جيدًا في كتب الإمام الشافعي وغيره .

هذا وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه بابًا مستقلًا تحت عنوان: (خبر الآحاد) لبيان وجوب العمل به ، دون أن يتعرض لموضوع: هل ذلك يفيد العلم أو الظن ؟

(1) ولتوضيح ذلك أذكر مثالًا واحدًا وهو ما رواه ابن عساكر وغيره من طريق عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مرفوعًا:"إنما الأعمال بالنيات..".

وقال ابن أبي حاتم: هذا حديث باطل لا أصل له ، إنما هو (مالك عن يحيى بن سعد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة من عمر) .

فلما وهم ابن أبي رواد في نقل هذا الحديث عن مالك أصبح مخالفًا لما كان يحفظه الثقات عن مالك ، ومنفردًا بما لا أصل له عنده ، ولهذا قال ابن أبي حاتم:

"إنما هو مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر".

وكان المفروض أن يروي ابن أبي رواد حديث:"إنما الأعمال .."عن مالك عن يحيى بن سعيد على النحو الذي يرويه الثقات ، غير أنه تداخلت عليه الأحاديث ، فرواه عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد خطأ ووهمًا ، وسبب تداخل الحديث عليه هو أن مالكًا كثيرًا ما يروي عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد غير حديث .

وأعود إلى روايات الثقات عن يحيى بن سعيد وأقول:

إن اتفاقهم على نقل هذا الحديث عنه ، وشهرته فيما بينهم من غير اعتراض منهم عليه يدل على ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وهنا يتجسد ما قاله الإمام الحاكم:"وصفه الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبي زائل عنه اسم الجهالة وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة" (معرفة علوم الحديث ، ص26) .

( ) لعل من المفيد أن نطرح بعض التساؤلات حول هذا الموضوع ، وهي كما يلي:

هل يعد جميع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث سنة ومصدرًا للتشريع ؟

أو فقط الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، دون غيره من الأحاديث ؟

هل كل حديث صححها أي باحث يعد مصدرًا للتشريع ؟

من يكون مؤهلًا لذلك ؟

هل يشمل لفظ التشريع أمور الدين كلها بما في ذلك الجانب العقدي ؟

أو أنه لا يشمل سوى ما يتعلق بالعبادات والمعاملات ؟ =

هل يعد الحديث الصحيح مصدرًا للجونب العقدية ؟

هل يتوقف ذلك على إفادة اليقين للجميع ؟

ألا يكفي في ذلك إفادة اليقين عند النقاد باعتبار الحديث من علم الخاصة ؟

هل تتوقف إفادة اليقين على التواتر ؟

ألا يكفي في ذلك تصحيح النقاد ، سواء أفادنا اليقين أو لا ؟

هل تستثنى العقائد من مقولة"الكتاب والسنة مصدر للتشريع"؟ ويقال: الكتاب والسنة المتواترة مصدر للعقائد ؟

هل يفرق بين العبادات والعقائد في الاحتجاج بالسنة ؟ تساؤلات تدور في الأذهان لكثرة الاختلافات حول موضوع الاحتجاج بخبر الآحاد في العقائد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت