ومن المسلمات أيضًا إن إفادة اليقين لا تتوقف على تواتر الخبر ، بل يفيد خبر الواحد اليقين لدى نقاده حسب اطلاعه على القرائن التي تحيط به ، ومن هذه القرائن المعمول بها، شخصية الرجل ، مثلًا قد يكون الشخص مساويًا لمئات الناس ، لما يتوفر فيه من المميزات العلمية والدينية ، فإذا تحدث في مجال تخصصه فإن في خبره ما يفيد اليقين عند من يعرف ذلك (1) .
وأما شاع بين الكثيرين من أن الأحاديث خبر آحاد ، ولا تفيد إلا الظن فهو تفكير منطقي مجرد ، يغضون فيها النظر عن القرائن والملابسات التي قد ترفع خبر الآحاد إلى درجة إفادة اليقين بثبوته عند علماء الحديث الذين لهم إحاطة شاملة بتلك القرائن والملابسات ، وإن لم يكن مثل المتواتر .
ولهذا جاء في سباق تعريفهم للمتواتر كلمة (لذاته) يعني: يفيد المتواتر العلم لذاته، كما أن خبر الآحاد يفيد الظن لذاته ، يعني بصرف النظر عن القرائن التي تحف بالخبر.
(1) الإمام الترمذي في كتابه السنن ، حيث كان يلتزم بذكر عمل الصحابة أو التابعين أو غيرهم بمقضى الحديث الذي هو بصدد تصحيحه ، بل إن تحسينه كان مبنيًا على ثبوت العمل به من بعض الصحابة.
ولما كان الإمام مالك رحمه الله يركز في موطنه على ذكر عمل أهل المدينة بمقتضى الحديث الذي أورده فيه على سبيل الاحتجاج قال الإمام ابن عبد البر: (إن مالكًا كان من أشد الناس تركًا لشذوذ العلم) .
ومما يجب علمه أن النقاد يتحرون في الحديث الصحيح أن يكون مشهورًا (رواية أو عملًا) . كما أشار إلى ذلك الإمام أبو داود في رسالته إلى أهل مكة ، والحاكم في معرفة علوم الحديث ، وهذا هو القصد بقولهم في تعريف الصحيح: (أن لا يكون شاذًا ولا معلومًا) ، وأما الحديث الذي لا يعرفه ثقات الحفاظ ولم يكن له عمل في عصر الصحابة ولا التابعين فيعتبرونه غريبًا شاذًا ومردودًا، وإن كان سنده متكونًا من ثقة عن ثقة ، وقد ورد عن كثير من الأئمة نصوص في هذا الصدد .
قال الإمام الشافعي رحمه الله: فعليك من الحديث بما تعرفه العامة (يعني عامة الحافظ) وإباك والشاذ منه (كتاب الأم 7/703 - 803) .
وقال الإمام مالك: شر العلم الغريب وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس .
وينبغي أن نلحظ الفرق بين (الغريب الشاذ) الذي يرده النقاد وبين (خبر الآحاد) الذي يصححونه وفق مقاييس علمية ، وإن كان الغريب داخلًا ضمن خبر الآحاد حسب الدلالة اللغوية فإنه يجب التفريق بينهما في القبول والاعتماد ، وقد عرج كثير من الناس الذين لا صلة لهم بالحديث على التخليط بينهما إضفاء للشرعية على حكمهم بظنية الحديث .
ولقد تعود الناس في زماننا على دراسة الحديث بنظرهم المركز على أحوال الرواة ، مع إغفالهم الشديد في معرفة عمل الناس بمقتضاه في الصدر الأول وبعده ، وهذا أسلوب غير مقبول عند علماء هذا الفن ، وبذلك أصبحت البحوث الإسنادية التي تفيض بها (الأسواق العلمية الحرة) لا تتجاوز حد الشكليات التي فيها تهميش خطير لمنهج النقاد في التصحيح والتعليل ، إلا نادرًا .
( ) ولكون الأحاديث التي ينقلها الآحاد تفيد القطع عند علمائها المتخصصين ، ولا يشترك في ذلك جميع الفئات من الناس فإن إنكارها لا يعد كفرًا ، بل يكون عاصيًا ، بخلاف المتواتر الذي يعلم بثبوته جميع الناس .