ثانيًا زيادة الثقة (1) :
المقصود منها: أن يروى جماعة واحدًا بإسناد واحد، فيزيد بعض الثقات فيه زيادة لم يذكرها بقية لم يذكرها بقية الرواة (2) ، سواء أكان ذلك في السند أم في المتن أم كان في
كليهما (3) .
لذا فإن هذه المسألة تشمل جميع صور الزيادة التي تقع من الثقة ، سواء أكان الثقة واحدًا أم أكثر ، وسواء أكانت الزيادة صحيحة أم ضعيفة ، وسواء أكانت في السند والمتن أم في أحدهما.
وأما الزيادة التي تقع من بعض الصحابة على صحابي آخر فمقبولة إن ثبتت عنه دون خلاف (4) .
وإن كانت زيادة الثقة تشمل السند والمتن ، فتعارض الوصل والإرسال ، وتعارض الوقف والرفع ، والمزيد في متصل الأسانيد ، وتعارض الزيادة والنقص في المتن ، تعد نماذج مختلفة تتجسد فيها مسألة زيادة الثقة .
أما صلة زيادة الثقة بالصحيح وأنواع المعلول فظاهر مما يلي:
إذا تبين للناقد أن الراوي الثقة لم يكن واهمًا حين زاد في الحديث ؛ لوجود قرائن تدل على ذلك ، فيكون ما زاده صحيحًا .
وإذا تبين أن الراوي كان واهمًا ، لكونه قد أدرج في الحديث ما ليس منه بسبب الاختلاط ، أو لروايته بالمعنى ، أو غير ذلك من الأسباب فتكون تلك الزيادة معلولة ، وإن شئت سمها شاذة ، أو منكرة ، أو مدرجة ، أو مقلوبة .
وإذا لم يتبين الخطأ ولا الصواب في تلك الزيادة التي زادها أحد الثقات ولم تحتف بها قرائن تدل على ذلك فتصير زيادة مقبولة نظرًا إلى الأصل في حاله .
ومن ثم فإن زيادة الثقة لا تشكل نوعًا مستقلًا عن تلك الأنواع المذكورة في الموضوعين السابقين من هذه الوحدة ، وإنما تكون متداخلة فيها (5) .
على هذا الواقع ينبغي أن نعالجها ونبين تفاصيلها ونؤسس أحكامها وفق منهج المحدثين الحفاظ ، ولذا فإن إطلاق القبول في زيادة الثقة غير سليم، بل يكون قبولها وردها في ضوء ما
تدل عليه القرائن (6) .
(1) "ويلتحق بهذا ما إذا كان الذي وصله هو الذي أرسله ؛ وصله في وقت وأرسله في وقت ، وهكذا إذا رفع بعضهم الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووقفه بعضهم على الصحابي أو رفعه واحد في وقت ووقفه هو أيضًا في وقت آخر ، فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع ، لأنه مثبت وغيره ساكت ، ولو كان ناقيًا فالمثبت مقدم عليه ، لأنه علم ما خفى عليه ، ولهذا الفصل تعلق بفصل زيادة الثقة في الحديث". (مقدمة ابن الصلاح ص71 - 72) .
وهذا - كما ترى - نموذج واضح لتداخل آخراء أئمة الفقه والأصول في قضايا علوم الحديث ، وترجيحها وفق التوجه الفكري لمن ألف في مصطلح الحديث ، وتخصصه العلمي ، ولذا يجب لفت الانتباه إلى ذلك تفاديًا للخلط بين منهج المحدثين النقاد وبين غيرهم .
ولذا قال الحافظ ابن حجر:
"وعلى المصنف (يعني ابن الصلاح) إشكال أشد منه وذلك أنه يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذًا كما تقدم ، ويقول: إنه لو تعارض الوصل والإرسال قدم الوصل مطلقًا سواء كان رواة الإرسال اكثر أو أقل حفظًا أم لا ، ويختار في تفسير الشاذ إنه الذي يخالف روايه من هو أرجح منه . وإذا كان راوي الإرسال أحفظ ممن الوصل مع اشتراكهما في الثقة فقد ثبت كون الوصل شاذًا فكيف يحكم له بالصحة مع شرطه في الصحة أن لا يكون شاذًا ؟".
وتابع الحافظ قائلًا:
"هذا في غاية الإشكال ، ويمكن أن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحة إنما يقوله المحدثون ، وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال ، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك ، والمصنف قد صرح باختيار ترجيح الوصل على الإرسال ولعله يرى عدم اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحيح لأنه هناك لم يصرح عن نفسه باختيار شيء ، بل اقتصر على نقل ما عند المحدثين". (النكت 2/653) .
ويقول البقاعي:"إن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين ، فإن للحذاق من المحدثين في هذه المسألة نظرًا لم يحكه ، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه ، وذلك أنهم لا يحكمون منها بحكم مطرد ، وإنما يديرون ذلك على القرائن". (توضيح الأفكار ص1/339) .
( ) كتب في هذا الموضوع بحثًا مستقلًا تحت عنوان: (زيادة الثقة في كتب المصطلح) ، وقد تم نشره بمجلة كلية الشريعة بجامعة الكويت .
(2) ابن رجب الحنبلي ، شرح العلل 1/425 .
(3) تقع زيادة الثقة في الإسناد في صور مختلفة ، ومنها:
ما رواه غندر محمد بن جعفر عن شعبة عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن رزين عن سالم بن عبد الله بن عمر عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي تكون له المرأة فيطلقها ثم يتزوجها رجل فطلقها قبل أن يدخل بها فترجع إلى زوجها الأول .. الحديث .
يقول أبو حاتم:"قد زاد عندي في هذا الإسناد رجلًا لم يذكره الثوري ، وليست هذه الزيادة بمحفوظة". ثم روى حديث سفيان عن علقمة عن سليمان بن رزين عن ابن عمر ، مع بيان الاختلاف في اسم سليمان بن رزين . (العلل 1/428) .
فزاد شعبة أو تلميذه محمد بن جعفر في إسناد سالم بن عبد الله وسعيد بن المسيب ، فهي صورة من صور زيادة الثقة في السند ، ومع ذلك فقد قال أبو حاتم:"ليست بمحفوظة".
ولزيادة الثقة في المتن صور شتى ، ومنها: ما رواه أبو نعيم في مستخرجه على صحيح مسلم من طريق إسحاق بن راهوية: حدثنا ليث عن قيل عن ابن شهاب عن أنس قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ، ثم ارتحل". (كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين في السفر 2/294 .
(تحقيق محمد حسن ، دار الكتب العلمية ، بيروت ط1 ، سنة 1417هـ) .
والحديث في صحيح البخاري من طريق عقيل بن خالد عن الزهري عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا زاغت صلى الظهر ثم ركب". (كتاب الصلاة باب الجمع بين الصلاتين 1/48، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، دار إحياء التراث العربي بيروت) ."
وعند المقارنة بين الحديثين نلحظ أن إحصاق بن راهويه زاد في الحديث كلمة (والعصر) ؛ وهي زيادة ثقة ، لأن إسحاق ثقة إمام ، وبذلك أصبح حديثه مختلفًا تمامًا عن حديث الثقات عن عقيل ، الذي يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لا يجمع بين الصلاتين في أسفاره إلا جمع التأخير ، بينما يفيد حديث إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع جمع التقديم أيضًا .
(4) انظر: انكت على مقدمة ابن الصلاح 2/691 .
(5) لقد صرح الحافظ ابن حجر بوجود علاقة وثيقة بين الشاذ وزيادة الثقة ، حيث يقول تعليقًا على ابن الصلاح في مبحث تعارض الوصل والإرسال:
"وهنا شيء يتعين التنبيه عليه وهو: أنهم شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذًا ، وفسروا الشاذ بأنه ما رواه الثقة فخالفه من هو اضبط منه أو أكثر عددًا ، ثم قالوا: تقبل الزيادة من الثقة مطلقًا فلو اتفق أن يكون من أرسل أكثر عددًا أو أضبط حفظًا أو كتابًا على من وصل أيقبلونه أم لا ؟ أم هل يسمونه شاذًا أم لا ؟ لابد من الإتيان بالفرق أو الاعتراف بالتناقض". (النكت 2/612) .
ويؤكد الحافظ ابن حجر من خلال هذا النص على وجود صلة وثيقة بين مسألة زيادة الثقة ومسألة الشاذ ، لا سيما حين ألزمهم رحمه الله في آخر كلامه أحد الأمرين:
الاعتراف بالتناقض بين قبولهم زيادة الثقة مطلقًا وبين شرطهم في الصحيح أن لا يكون شاذًا ، أو أن يأتوا بالفرق بينهما .
(6) الجدير بالذكر أن مسألة زيادة الثقة قد وردت في مواضع متفرقة من كتب المصطلح ؛ مرة تحت عنوان"زيادة الثقة"، وأخرى ضمن أنواع متعددة ؛ مثل (المعلول) ، و (الشاذ) ، و (المنكر) ، وغيرهما ؛ مما أدى إ'لى تغاير حكم هذه المسألة على أشكال مختلفة ، ونجملها فيما يلي:
أولًا: أن يدور القبول والرد فيما زاده الثقة على القرائن والملابسات ، فلا تقبل الزيادة ولا ترد إلا بمقتضى القران المحيطة بها ، ولا ينهض بذلك إلا نقاد الحديث . وذلك خلاصة حكم زيادة الثقة المذكورة ضمنًا في نوع (العلة) .
ثانيًا: أن يكون حال الراوي ميزانًا للقبول والرد ؛ فإن كان راوي الزيادة أوثق وأحفظ فهي مقبولة، وإلا فمردودة ، وهي خلاصة حكم زيادة الثقة المبينة ضمنًا في نوعي (الشاذ) و (المنكر) .
ثالثًا: أن يكون معيار الرد هو أن تكون الزيادة منافية لما رواه الناس ، فلا تكون مردودة إلا في حالة منافاتها لما رواه الناس ، وأما في غير ذلك فالزيادة مترددة بين القبول والرد ، وهو ما خلص إليه حكم الزيادة صراحة في نوع (زيادة الثقة) .
رابعًا: قبول زيادة الثقة مطلقًا ، وهذا هو الذي رجحه ابن الصلاح في مبحث تعارض الوصل والإرسال ، وتعارض الوقف والرفع .
وهكذا وقع حكم زيادة الثقة على صور مختلفة ، ومع ذلك نرى كثيرًا من المعاصرين يطلقون القول بقبولها اعتمادًا على كتب المصطلح ، وقد رأيت الحكم الذي في كتب المصطلح .