معنى المقلوب أن يروي الراوي حديثًا ، ويجعله لغير صاحبه وهمًا منه ، ولعل ذلك يرجع إلى تداخل الأحاديث عليه ، وبذلك يخالف الراوي الآخرين من الثقات ، أو يتفرد عن شيخه بما لا أصل له في أحاديثه ، وإن كان هذا الراوي الذي انقلب عليه الحديث ثقة أصبح حديثه شاذًا ، وإن كان ضعيفًا أصبح حديثه منكرًا ، هذا تبعًا لما استقر في كتب المصطلح من التعريفات ، وأما حسب منهج المتقدمين فلا فرق في ذلك بين الثقة والضعيف ، وكله عندهم معلول ، كما يصح أن يقال فيه: منكر ، أو شاذ .
ولهذا قال الحافظ ابن حجر:
"كل مقولب لا يخرج عن كونه معللًا ، أو شاذًا ، لأنه إنما يظهر بجمع الطرق، واعتبار بعضها ببعض ، ومعرفة من يوافق ممن يخالف" (1) .
ومما يدل على ذلك أن كتب العلل وكتب الضعفاء تحوي الأحاديث المقلوبة بجميع أنواعها ، مبنية خطأ الراوي فيها ، ووجه تداخل الأحاديث عليه ، بغض النظر من كونه ثقة أو ضعيفًا" (2) ."
المثال:
أسوق هنا بعض الأمثلة ليتبين أن المقلوب يندرج تحت مفهوم العلة ، وأنه لا يخرج عن كونه حديثًا معلولًا تبين للناقد خطؤه من خلال مخالفة رواية للواقع الحديثي أو تفرده بما لا أصل له .
روى إسحاق بن عيسى الطباع عن جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني".
وروى هذا الحديث بلفظه الإمام البخاري ومسلم وغيرهما من طرق تدور كلها على يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ولعل الباحث المستعجل يذهب إلى صحة الحديث من الطريقين جميعًا ، حيث إن الإسناد الأول ظاهر سليم ، ورجاله كلهم ثقات ، وأنه رواية مستقلة لا صلة لها بالرواية الثانية في ظاهرها .
والواقع أن جرير بن حازم أخطأ - حسب تعبير الحافظ ابن عدي - حين جعله من حديث أنس ، بدل أن يرويه من حديث أبي قتادة ، وبذلك أصبح جرير قد تفرد بما لا أصل له من حديث أنس ، ولا من حديث ثابت أصلًا ، إذ لم يروه عنه أحد من أصحابه إلا جرير . بينما يرويه الحافظ من معاصري جرير ، عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه .
هذا وقد وجدنا عند إسحاق بن عيسى الطباع ما يؤكد ذلك ، وهو يقول:
حدثت حماد بن زيد بحديث جرير بن حازم عن ثابت عن أنس هذا فأنكره .
فقال: إنما سمعه من حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه في مجلس ثابت وظن أنه سمعه من ثابت (3) .
ولا شك أن هذا الحديث المقلوب ينطبق عليه ما قيل في مفهوم الشاذ ، من مخالفة الراوي الراجح ، أو تفرده بما لا أصل له ، كما يصح إطلاق المنكر عليه أيضًا باعتبار كون الحديث غير معروف عن ثابت ولا عن أنس .
وأما مثال المتن المقلوب فالحديث المشهور الذي رواه ابن خزيمة من حديث عائشة رضي الله عنها قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن ابن أم مكتوب يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال"، وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر .
قال الحافظ ابن حجر نقلًا عن ابن دقيق العيد:
"هذا مقلوب ، والصحيح من حديث عائشة أن بدلًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا تسمعوا أذان ابن أم كتوم ، وكان رجلًا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت ، كما رواه الإمام البخاري ومسلم وغيرهما" (4) .
فالخلاصة: أن الحديث الذي وقع فيه القلب من جهة الراوي يعتبر معلولًا ، يعني أنه أخطأ حين جعله لغير مصدره ، وإن شئت فقل شاذ ، وإن شئت فقل منكر (5) .
يقول الحافظ ابن حجر:
فإن قيل: إذا كان الراوي ثقة فلم لا يجوز أن يكون للحديث إسنادان عند شيخه ؛ حدث بأحدهما مرة ، وبالآخر مرة ؟
قلنا: هذا التجويز لا ننكره ، لكن مبنى هذا العلم على غلبة الظن ، وللحافظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا ، وإنما يعول في ذلك على النقاد المطلعين منهم، ولهذا كان كثير منهم يرجعون عن الغلط إذا نبهوا عليه" (6) ."
وقلب الأحاديث وتداخلها هو أكثر وقوعًا في أحاديث الثقات ، كما يظهر ذلك لمن يتبع كتب العلل ، ولم يسلم من ذلك كبار الأئمة ، فيجعلون الرمسل متصلًا ، أو الموقف مرفوعًا.
(1) النكت 2/478 .
(2) وهذا المقلوب الذي نحن بصدد بيانه إنما هو في حالة عدم تعمد الراوي بذلك ، أما إذا تعمد لغرض الإغراب على المحدثين ، ولفت انتباههم إلى حديثه ، فيعتبر موضوعًا ، كما عمل به حماد بن عمرو، المعروف بالوضع والافتراء ، ولم ندرج هذا النوع في أنواع المعلول لكون روايه متروكًا وضاعًا أو كذابًا .
وأما إذا قلب الراوي الأحاديث شيوخه ، ولمعرفة مدى ضبطهم للأحاديث فليس بداخل في مبحثنا هذا ، إذ لا يعتبر ذلك الحديث معلولًا .
وقد عرف ذلك عن شعبة ، كان يقوم بقلب الأحاديث على بعض شيوخه الذي لقيهم لينظر هل كان حفظهم متماسكًا ، أو أنه مضطرب غير ضابط ، فإن أقر الراوي بالحديث المقلوب ، ولم يتعرض على تلميذه ، عرف أنه غير ضابط ، وإن اعتراض عرف أنه متقن .
وما وقع من البغداديين في قلب الأحاديث على الإمام البخاري ليمتحنوا حفظه قصة مشهورة .
(3) حكاه العقلي في الضعفاء 1/791 - 991 ، وابن عدي في الكامل 1/155 . ومعنى هذا الكلام أنه حين كان جرير وزملاؤه في مجلس ثابت ، يسمعون منه أحاديثه ، جاءت مناسبة دعت أن يفيدهم حجاج الصواف بهذا الحديث ، فحدث به في مجلس ثابت ، فظن جرير فيما بعد أن هذا الحديث من جملة الأحاديث التي سماعها من ثابت فحدث به جرير عنه وهمًا .
وفي الواقع أن هذا الحديث مما أفاده زميله حجاج ، ومن الجدير بالذكر أن الطالب المجد قد يفيد شيخه بحديث لم يسمعه ، وهو ظاهرة علمية تتميز بها حلقات المحدثين الكبار ، وقد تكون هذه الظاهرة من أسباب تداخل الأحاديث على رواتها عمومًا ، وهذا هو الذي أشار إليه حماد بن زيد - وهو أحد كبار الثقات من أصحاب ثابت - بقوله:
"إنما سمعه من حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه في مجلس ثابت، وظن أنه سمعه منه".
وتدلنا مثل هذه الحادثة على طبيعة القرائن التي يتميز بفقهها النقاد .
(4) غير أن ابن خزيمة وابن حبان تأولا الحديث بأ،ه كان نوبة بين بلال وابن أم مكتوم ، بدون أن يذكرا ما يعضده من القرائن ، كتعدد مخارج الحديث - مثلًا - ، أما إذا كان اختلاف المتن على راو واحد، وكانت الروايات المختلفة تدور على ذلك الراوي المتأخر ، فيستعبد فيه مثل ذلك التأويل الذي يقوم على التجويز العقلي ، ولهذا لم يوافقهما كثير من المحققين .
(5) ويدخل في القلب كل أنواع التلقين بين الأسانيد أو المتون .
(6) النكت 2/875 - 876 . وحكى الحافظ فيه قصة طريفة يقول:
روينا في تاريخ العباس بن محمد الدوري عن يحيى بن معين ، قال: حضرت مجلس نعيم بن حماد بمصر، فجعل يقرأ كتابًا من تصنيفه ، قال: فقرأ ساعة ، ثم قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن عون ، فذكر أحاديث .
فقلت له: ليس هذا عن ابن مبارك ، فغضب . =