فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 87

الموضوع وما يتصل به من الأنواع (1)

الحديث الموضوع هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذبًاَ ، من قول أو فعل أو تقرير ، وقد يكون ذلك من نسخ خيال الراوي الكاذب ، أو قولًا لأحد الحكماء ، أو لأحد الصاحبة ، أو التابعين ، أو غير ذلك من الأمثال العربية أو الإسرائيليات ، سواء أكان ذلك لأغراض سيئة ، أم حسنة ، كما سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى .

وإطلاق مصطلح (الموضوع) في هذا المعنى هو الأغلب ، لا سيما عند المتأخرين ، بل استقر عندهم ، بحيث لا ينصرف إلى ذهنهم غير ذلك . غير أن بعض القدامى أطلقوا لفظة الموضوع أيضًا فيما أخطأ الراوي من غير قصد ، وخاصة عندما يتبين ذلك الخطأ بجلاء ، وإن كان ذلك الراوي ثقة (2) ، ومن لم يعرف منهج المحدثين في إطلاق هذا المصطلح فإنه يعترض على النقاد ، ويصف ذلك بالمبالغة ، بحجة أن الراوي ليس كذابًا ولا متهمًا بالكذاب .

إن كان الحديث الموضوع يختلف عن الحديث المعلول بتعمد الراوي الخطأ في الأول ، وبأنه لا يعذر في ذلك مهما كان قصده ، فإنهما في الحكم سواء ، ألا وهو رد الحديث باعتباره خطأ .

بما أن الكشف عن الكذب في الأحاديث ، والافتراء على النبي صلى الله عليه وسلم أصبح أمرًا سهلًا ، بعد أن قام النقاد بتمييز الوضاعين من المقبولين من الرواة (3) ، فإن الأئمة النقاد انصبت عنايتهم في بيان أخطاء الثقات والضعفاء ، لغموضها ، وصعوبة الوقوف عليها .

وعلى كل فإن الحديث الموضوع كان محل اهتمام القدامى من النقاد ، غير أن الكثيرين من الأئمة المتأخرين بذلوا جهدًا كبيرًا في إبراز ذلك بذكر المقاييس العلمية التي تعرف بها الأحاديث المكذوبة على الني صلى الله عليه وسلم ن اعتقادًا منهم بأن ذلك يبلور جهد المحدثين في نقد المتون . وما شرحه ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (المنار المنيف) يعد أكثر استيعابًا لما يتعلق بالمقاييس التي يعرف بها الكذب .

(1) قد حظي هذا الموضوع باهتمام العلماء قديمًا وحديثًا ، وألفوا فيه كتبًا كثيرة ، ولذا فإني أختصر الحديث عنه هنا ، ومن أراد المزيد فليرجع إليها ، وسيأتي ذكر بعض أسماء تلك الكتب إن شاء الله تعالى .

(2) مثاله: حديث قتيبة في جمع التقديم أطلق عليه الحاكم بأنه موضوع مع تصريحه بأن قتيبة ثقة، انظر كتاب (الموازنة) للمؤلف .

والمتتبع لكتاب العلل لابن أبي حاتم يجد أمثلة كثيرة من هذا النوع ، وأنا أذكر هنا بعضًا منها على وجه السرعة:

يقول أبو حاتم: هذا حديث موضوع ، وأبو سفيان الأنباري مجهول (1/68) .

وقال ابن نمير: الشيخ لا بأس به ، والحديث منكر ، قال أبو حاتم: الحديث موضوع (1/74) .

ويقول أبو حاتم: هذا حديث موضوع لا أصل له ، وسنان عندنا مستور (1/416) .

ويقول: هذا حديث موضوع ، ويهلول ضعيف الحديث (2/321) .

ويقول أيضًا: وهذا حديث موضوع ، عبد الملك مضطرب الحديث (2/368) .

ويقول أيضًا: وهذا حديث موضوع بهذا الإسناد ، ونوفل بن سليمان هذا ضعيف الحديث (2/12) .

ويقول أيضًا: هذا حديث موضوع بهذا الإسناد ، والمعلى متروك الحديث (2/375) وغير ذلك من الأمثلة .

ويقول ابن الجوزي: فمتى رأيت حديثًا خارجًا عن دواوين الإسلام ، كالموطأ ومسند أحمد والصحيحين وسنن أبي داود ونحوها، فانظر فيه، فإن كان له نظير من الصحاح والحسان قرب أمره =

(3) وإن ارتبت فيه ورأيته يباين الأصول فتأمل رجل إسناده واعتبر أحوالهم من كتاب المسمى بالضعفاء والمتروكين ، فإنك تعرف وجه القدح فيه .

قود يكون الإسناد كله ثقات ، ويكون الحديث موضوعًا أو مقلوبًا أو قد جرى فيه تدليس ، وهذا أصعب الأحوال ، ولا يعرف ذلك إلا النقاد ، وذلك ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: أن يكون بعض الزنادقة أو بعض الكذابين قد دس ذلك الحديث في حديث الثقات ، فحدث به بسلامة صدره ظنًا منه أنه من حديثه ، وقد ابتلى جماعة من السلف بمثل هذا .

القسم الثاني: أن يكون الراوي شرهًا فيسمع الحديث من بعض الضعفاء والكذابين عن شيخ عقد عاصره أو سمع منه فيسقط اسم الذي سمعه منه ويدلس بذكر الشيخ ، وقد كان جماعة يفعلون هذا ، منهم بقية بن الوليد .

ثم قال ابن جوزي: فإن قوي نظرك ورسخت في هذا العلم فهمت مثل هذا ، وإن ضعفت فسل عنه، وإن كان قد فل من يفهم هذا ، بل قد عدم ، وإياك أن تسمع الحديث من كذاب أو متهم أو ممن لا يعرف ما يروي فإنه يخلط ولا يدري (الموضوعات 1/99 - 101) .

ويمكن أن نستنتج مما سبق أن ابن الجوزي قد يذكر في كتابه (الموضوعات) أحاديث باطلة مع أن رواتها لم يكونوا وضاعين ولا كذابين ، وعليه فلا اعترض عليه إذا ذكر الأحاديث الباطلة لمجرد كون راويها غير كذاب ، مع أنه لم يشترط في كتابه الموضوعات أن يكون الحديث من مرويات الكذابين.

( ) يمكن فهم ذلك جيدًا مما ورد عن يحيى بن معين: كتبنا عن الكذابين وسجرنا به التنور وأخرجنا به خبزًا نضيجًا (تاريخ بغداد 14/184) . ولذلك لا يقال إن المحدثين النقاد توجهوا نحو ظواهر السند، وانشغلوا بأمور لا وزن لها ، معرضين عن المتون ، والكشف عن افتراءات الكذابين فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت