ليكون تعريف ابن الصلاح للصحيح خاليًا من الاعتراض - وهو أنه لم يكن جامعًا لنوعيه، وهما الصحيح لذاته ، والصحيح لغيره - يمكن توجيهه بأحد الاعتبارين ، وهما:
أ- أن التعريف الذي ذكره ابن الصلاح إنما قصد به الصحيح لذاته ، دون النوع الثاني ، وبالتالي يكون ضبط الراوي وإتقانه قيدًا مهمًا في تعريف (الصحيح لذاته) ، كما جاء تعريف الحافظ ابن حجر مقيدًا بذلك ، وهذا التوجيه واضح وجلي .
ب- أن التعريف جامع لقسمي الصحيح: صحيح لذاته وصحيح لغيره ، لكن تكون ثقة الراوي شرطًا أغلبيًا للصحيح ، وليس شرطًا احترازيًا يحترز به عن حديث الصدوق والضعيف.
وتوضيح هذا التوجيه أنك إذا تتبعت كتب الصحاح وما صححه النقاد عمومًا من الأحاديث وجدت أكثرها من مرويات الثقات ، كما تجد أكثر مرويات الثقة صحيحة ، ولولا ذلك لكان راويها ضعيفًا ، بينما تكون أغلب الأحاديث الضعيفة من مرويات الضعفاء ، كما تكون أكثر مرويات الضعيف ضعيفة أيضًا ، ولولا أن الأمر كذلك ما كان راويها ضعيفًا، بل يكون من الثقات ، وبناءً على هذا الواقع لعل ابن الصلاح اضاف في التعريف أن يكون الراوي ضابطًا .
ولو كان هذا التوجيه مطابقًا لما قصده ابن الصلاح من ذكر هذا القيد في تعريفه للصحيح لكان التعريف سليمًا من الاعتراض السابق ذكره ، ومنسجمًا مع عمل النقاد القدامى عمومًا ، إذ يطلقون الصحة على ما قد حفظه الضعيف وأتقنه من الأحاديث (1) .
ثانيًا: ما يتعلق باتصال السند .
أما الأمر الأول فيرجع إلى الفقرات من 1 إلى 4 .
ولا يخهد ش في ذلك قوله في الفقرة الرابعة:"ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي"لأنه يرجع أيضًا إلى حال الراوي ، وليس إلى حديث معين بذاته ، وإن كان هذا قد يفهم من ظاهر هذا المقطع.
وبين هذين الأمرين فرق واضح ؛ إذ الأول وصف عام للراوي ، والثاني وصف خاص للحديث ، ولا تلازم بينهما .
توضيح ذلك أن مفاد هذا المقطع هو:
أن يتعود الراوي على أن لا يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يخالف حديث الثقات عن النبي صلى ا لله عليه وسلم . يعني ذلك أن يكون نادرًا الغلط في مروياته عمومًا ، وذلك ليثق الناقد بما يتفرد بروايته ، وتطمئن نفسه إلى صوابه في حالة ما إذا لم يتوافر لديه من القرائن والمعلومات ما يدل على وهمه أو صوابه ، حيث تشكل الحالة العامة للراوي حينئذ أصلًا يرجع إليه .
ولذا يكون الأقرب إلى الصواب أن يرجع مفاد هذا المقطع إلى حال الراوي العام ، وليس إلى حديث معين بذاته ، وذلك لمطابقته مع سياق النص ؛ إذا كانت الجمل:
"ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي"معطوفة على كلمة (أن يكون مدلسًا) السابق ذكرها، فعلى هذا يكون المعنى: بريًا من أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدث الثقات خلافه عن النبي"، وهذا وصف عام للراوي ، كما في الجملة السابقة في التدليس سواء بسواء ."
ثم إن هذه الجملة أفادت بذاتها أن المقصود هو الحال العام للراوي ، حيث أن لفظه (ما يحدث الثقات) مبهمة تفيد العموم ، يعني به أي حدث كان يحدث به ، ثم قال: (ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه..) الأمر الذي يعطي للقارئ مزيدًا من التوضيح حول الموضوع الذي نحن بصدده ، وهو أن ما تضمنته الفقرات السابقة كله راجع إلى حال الراوي عمومًا .
وإذا كان مما لابد من أن يكون الراوي ممن لا يحدث مخالفًا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن باب أولى أن يكون الحديث الذي رواه يجب أن لا يخالف ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من السنة ، ليحتج به ، ويعمل ؛ فإنه في حالة مخالفته له لا يعمل به بدون شك .
وبعد هذا يمكن التخليص بأن جميع هذه الفقرات من رقم 1 إلى 4 ترتكز على تقرير حال الراوي من حيث عدالته وضبطه وفهمه وعنايته بالحديث وصراحته في الراوية .
وأما الأمر الثاني - وهو اتصال السند - فيظهر جليًا من الفقرة الخامسة .
وعلى هذا فكون الحديث سليمًا من شذوذ وعلة لم يتبلور في هذا النص ، كشرط من شروط الصحيح ، بل يكفي عند الإمام الشافعي في الاحتجاج بالخبر أن يكون روايه ثقة عالمًا ، أو ثقة صاحب كتاب صحيح ، وأن يكون سنده متصلًا .
هل قول الإمام الشافعي تعريف لمصطلح"الصحيح؟ ؟"
ومن الجدير بالذكر أنه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لم يذكر ذلك ، كتعريف عام لمصطلح (الصحيح) ، بل كان شرحه متصلًا بأقل ما تقوم به الحجة من الأحاديث ، ويثبت به خبر الواحد عن الواحد ، وذلك في سبيل دفاعه عن موقف أهل السنة والجماعة تجاه خبر الآحاد من السنة. ولذلك جاء كلامه في نوع خاص من الأخبار ؛ حيث كان ذلك محمل خلاف جوهري بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدع ممن يشترط العدد من الرواة ليكون الحديث حجة لديهم .
وإذا كان الإمام الشافعي في صدد تحرير مسألة النزاع بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم - وهي متى يجب العمل بخبر الواحد عن الواحد الذي لم يحتف به ما يدل على غلطه أو صوابه من القرائن والملابسات ، وهل يكون العمل به مطلقًا أم مقيدًا بشروط معينة - فإن ابن الصلاح قد عالج موضوعًا أعم من ذلك ؛ فوضع تعريفًا عامًا للحديث الصحيح ، سواء أكان الحديث مشهورًا أم لا، وسواء احتفت به القرائن أو لا .
وبالتالي فالذي نلحظه في تعريف ابن الصلاح من بعض الاستدراكات التي سيأتي ذكرها، لا صلة له بفحوى نص الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حيث كان مقيدًا بأقل ما يحتج به خبر الواحد عن الواحد. وكون الراوي ثقة يعد شرطًا مهمًا في الاحتجاج والعمل وذلك ليطمئن بحالة العام شعور الناقد إلى أن هذا الراوي لم يكن مخطئًا فيما رواه ، مع أن الباطن لا يعلمه إلا الله .
وهذا كله فيما يتصل بتحليل نص الإمام الشافعي رحمه الله تعالى .
وأما بقية الأئمة كالحميدي والذهلي والحاكم والخطيب فلم يتطرقوا أيضًا في نصوصهم لذكر سلامة الحديث من شذوذ وعلة ، كما تعرض له ابن الصلاح ، إلا ما تضمنه نص الحميدي والحاكم من إشارة لطيفة إلى ذلك القيد ، كما سيأتي تحليلها ، إن شاء الله تعالى . وإليك نصوصهم مع التحليل.
ثانيًا: نص عبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري .
قال عبد الله بن الزبير الحميدي:
"فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، متصلًا غير مقطوع ، معروف بالرجال ، أو يكون حديثًا متصلًا ، حدثنيه ثقة معروف ، عن رجل جهلته ، وعرفه الذي حثني عنه ، فيكون ثابتًا ، يعرف من حدثنيه عنه ، حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ..."
ثم قال: فهذا الظاهر الذي يحكم به ، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه وإداخله بينه وبين من حدث عنه رجلًا أو أكثر ، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال ، فلا نكلف علمه إلا بشيء ظهر لنا فلا يسعنا حينئذ فبوله لما ظهر لنا منه" (الكافية ص42-52) . ="
وإن كان هذا النص يفيد بظاهره أن مدار الاحتجاج هو اتصال السند وثقة الراوي ، كما سبق عن الإمام الشافعي فإن الجملة الأخيرة - وهي قوله:"فلا نكلف علمه إلا بشيء ظهر لنا فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه"- تضمنت إشارة واضحة إلى أن ما رواه الثقة عن الثقة وكان سنده متصلًا ، لا ينبغي الإطلاق عليه بأنه حجة ، بل يجب الاستثناء من ذلك ما يظهر للنقاد شذوذه وعلته.
وبهذا الاستثناء وحده يتم التطابق بين فحوى النصوص التي يوهم ظاهرها إطلاق الاحتجاج بخبر الواحد عن الواحد ، وبين طبيعة التطبيق العملي لدى أصحابها ؛ حيث تدل على أن ذلك ليس مطلقًا، بل كان الاحتجاج مقيدًا بما أشار إليه الحميدي آنفًا . وهذا بعينه سبق بيانه في أثناء تحليل نص الإمام الشافعي .
والذي يفهم من خلال المقارنة بين هذه النصوص وبين عملهم التطبيقي أنهم لم يقصدوا بهذه النصوص سوى معالجة قضية تتصل بموقف أهل السنة تجاه خبر الآحاد ، وهي ما مدى وجوب العمل بما رواه الواحد عن الواحد ، في حالة ما إذا لم يكن محتفًا به شيء من القرائن التي تدل على صوابه أو غلطه، وما هي معايير الاحتجاج بهذا النوع من السنة .
(1) يبدو من خلال تتبع نصوص الإمام ابن الصالح الآتية في مبحث الحسن والضعيف وغيرهما يظهر لنا ما يمنع هذا التوجيه ؛ إذ يكون مقياس التصحيح والتحسين والتضعيف في هذه المباحث هو حال الراوي ومرتبته في سلم الجرح والتعديل ، فكان ابن الصلاح يعد حديث الصدوق حسنًا ، وحديث الضعيف ضعيفًا ، وإذا روي حديثهما من طرق أخرى صار عنده حديث الأول صحيحًا لغيره ، وحديث الثاني حسنًا لغيره ، ولذا فإن القيد المذكور في التعريف لم يكن إلا من أجل أن يحترز مما رواه الصدوق والضعيف . والله أعلم .
وعليه فالإشكال المذكور باق في التعريف ، حيث يكون غير جامع لجميع أنواع الصحيح لدى النقاد، ولذا فحل هذا الإشكال لا يتم إلا بجعل التعريف خاصًا بـ (صحيح لذاته) ، كما سبق ذلك عن الحافظ ابن حجر .
هنا فائدتنا ؛ الفائدة الأولى - وهي مهمة -: =
= قد تكون ثقة الراوي شرطًا للصحيح .
لم ينفرد الإمام ابن الصلاح بذكر ثقة الراوي قيدًا مهمًا للحديث الصحيح ، بل تبلور ذلك في نصوص الأئمة المتقدمين ؛ كالشافعي والحميدي والذهلي والخطابي والحاكم والخطيب رحمهم الله تعالى جمعيًا .وإن كانت نصوصهم تدل بظاهرها على أن مدار الصحيح عندهم أمران ؛ وهما ؛ ثقة الراوي واتصال السند ، فإن ابن الصلاح جعل شروط الصحيح عند أهل الحديث ثلاثة أمور ، وهي: ثقة الراوي واتصال السند والخلو من شذوذ وعلة . وسأركز فيما بعد على هذه النقطة بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى .
وفيما يلي نصوصهم:
أولًا: قول الإمام الشافعي:
يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى:"فقال لي قائل أحدد لي القول ، ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يثبت عليهم خبر الخاصة . فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي ، أو من انتهى به إليه دونه ، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا ؛ منها:"
أن يكون من حدث به ثقة في دينه معروفًا بالصدق في حديثه عاقلًا لما يحدث به عالمًا بما يحيل معاني ا لحديث من اللفظ .
وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع لا يحدث به على المعنى لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه لم يدر لعله يحيل الحال إلى حرام وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث .
حافظًا إذا حدث به من حفظه حافظًا لكتابه إذا حدث من كتابه إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم .
بريًا من أن يكون مدلسًا: يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه ، ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي .
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه ، حتى ينتهي بالحديث موصولًا إلى النبي ، أو إلى من انتهى به إليه دونه ، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه ، ومثبت على من حدث عنه ، فلا يستغني في كل واحد منهم عما وصفت"."الرسالة 1/369) .
ويدور هذا النص على أمرين ؛ وهما:
أولًا: ما يتصل بحال الراوي عمومًا ؛ كالعدالة والبط والإتقان وعدم التدليس .