بعد هذه الجولة يكون من المفيد أن نلخص ما سبق من القضايا المنهجية ، وذلك كما يلي:
إذا توفرت في الحديث عدالة رواية واتصال سنده ، وسلم من شذوذ وعلة يعد صحيحًا ، وإن كان رواية ضعيفًا .
منهج المحدثين في التصحيح هو التأكد من موافقة الحديث للواقع ، أو تفرد الراوي بما له أصل ، وذلك من خلال القرائن المحيطة به .
الجرح والتعديل ليس هو أساس التصحيح والتضعيف عند المحدثين النقاد كما يزعم كثير من الناس اليوم ، بل هو نتيجة تمخض عنها نقدهم للأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا .
معنى سلامة الحديث من شذوذ وعلة ، هو أن لا يكون مخالفًا للواقع ، ولا غريبًا ليس له أصل .
تكون مهمة التصحيح من اختصاص المحدثين النقاد الذين يعرفون القرائن التي تحيط برواية الأحاديث ، وملابساتها ، دون غيرهم ، وإن كانوا من كبار الأئمة في مجالات أخرى ؛ كالفقه والتاريخ والتفسير وغير ذلك من العلوم الشرعية .
قد تكون ثقة الراوي معولًا عليها في الحكم على الحديث ، وذلك فقط حين يصعب على الناقد معرفة ا لواقع المتعلق بالحديث الذي يريد تصحيحه . وعلى هذا المحمل يحمل من نصوص بعض النقاد ما يدل ظاهره على إطلاق الحكم بصحة ما رواه الثقة عن الثقة ، وحجته . وسيأتي قريبًا هذا الموضوع بمزيد من التفصيل إن شاء الله تعالى.
قول الترمذي (حسن صحيح) لا يختلف في المعنى عن قول النقاد (صحيح) .
ما رواه الضعيف قد يكون صحيحًا ، كما قد يكون ما رواه الثقة ضعيفًا ، ومن كانت رتبه متوسطة بينهما - كالصدوق مثلًا - يكون أولى بذلك كله . وبقدر ما يكون للراوي من تفوق علمي يقل وهمه وشذوذه ، وأما أن يكون معصومًا من الأخطاء والشذوذ فلا .
تأسيس الفكرة حول هذا الواقع المهم يجعل الباحث وقافًا عند أقوال النقاد ، ويمنعه من استعجاله بالحكم على الحديث تصحيحًا أو تضعيفًا أو تحسينًا وفق مراتب رواته في سلم الجرح والتعديل .
إذا اتفق النقاد على تصحيح حديث أو تضعيفه لا ينبغي لنا اعتراضه بل يتعين قبوله، لأن صحة الحديث ليست تابعة لحال الراوي فقط بل يرجع الأمر فيها إلى شعور الناقد بوقوع خطأ فيه من راويه أو عدمه . وهذا متوقف على خلفية علمية حديثة وتاريخية كما سبق .
إن عملية التصحيح مهمة علمية يحتاج فيها الناقد إلى خلفية علمية واسعة تؤهله لمعرفة الواقع الحديثي والعملي ، ولا يستطيع القيام بها عابر سبيل في مصطلحات علوم الحديث . وبدون المعرفة الحديثية لا ينبغي لأحد تصحيح الأحاديث ولا تضعيفها . حتى الحكم على الأسانيد اتصالًا وانقطاعًا وتدليسًا وإرسالًا (1) .
ولكي يتم تأسيس فكرة منهجية واضحة حول منهج المحدثين في تصحيح الأحاديث يحسن بنا أن ننظر في تعريف الصحيح الذي استقرت عليه كتب المصطلح ، وربطه مع منهج نقاد الحديث في التصحيح .
ولا شك أن هذه المقارنة تكون أنفع وأجدى لوقف الطالب على حقيقة ما تحويه المصطلحات وتعريفاتها من القضايا الجوهرية إن شاء الله تعالى .
(1) ولذا قال البيهقي:"وهذا النوع من معرفة صحيح الحديث من سقيمه لا يعرف بعدالة الرواة وجرهم وإنما يعرف بكثرة السماع ومجالسة أهل العلم بالحديث ومذاكرتهم والنظر في كتبهم والوقوف على روايتهم حتى إذا شذ منها حديث عرفه". (معرفة السنن والآثار 1/144) .
وقال الحاكم:"إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط ، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث" (معرفة علوم الحديث ، ص59) .
ولهذا قال الحافظ ابن حجر:"... صحة الحديث وحسنه ليس تابعًا لحال الراوي فقط ، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة".