إذا كان المعنى المشترك بين هذه الأنواع هو خطأ الراوي ، سواء أكان ثقة أم ضعيفًا ، فإن منهج النقاد في معرفته وتحديد صاحبه يشكل أهم جوانب علم الحديث ، وأن معرفته تكون من أهم الأهداف التي نصبوا إلى تحقيقها من وراء هذا العلم عمومًا .
ولذلك تأتي الفقرات التالية لتسليط الضوء على أهم معالم منهج النقد عند المحدثين في تعليل الأحاديث ، ثم تأتي المناسبة لبيان تفاصيل تلك الأنواع ، كل على حدة .
إن المخالفة والتفرد وسيلتان مهمتان لمعرفة الخطأ ، بل لتحديد صاحبه بدقة ، وذلك لأن الراوي إذا أخطأ ، أو تصرف عند روايته الحديث ، فإنه يؤدي إلى مخالفته الواقع الحديثي، أو تفرده بما ليس له أصل ، لا سيما حين يحدث عن حافظ مشهور بحفظه ، وإتقانه ، وكثرة أصحابه ، فإن خطأه فيما يرويه عن هذا الحافظ المشهور يكون أكثر وضوحًا. وأسهل تسليمًا (1) .
ومن المعلوم أن المخالفة والتفرد في حديث الراوي لا تعرفان إلا من خلال جمع رواياته ومقارنة بعضها مع بعض مقارنة علمية ومنهجية ، وأما إذا كان الحديث عن ثقة غير مشهور، فإن جمع الروايات عنه ومقارنة بعضها ببعض لا تتاح إلا في أضيق النطاق ، حيث يقل عدد الرواة عنه (2) .
ويمكن أن نقرأ في سياق قول الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى ، هذا الجانب المهم الذي يشكل نقطة جوهرية في منهج المحدثين في معرفة العلة ، وهذا نصه:
"ويستعان على إدراكها (أي العلة) بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له ، مع قرائن تنضم إلى ذلك ، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع ، أو دخول حديث في حديث ، أو وهم وأهم لغير ذلك ، بحيث يغلب على ظنه ذلك ، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه ، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه" (3) .
وهذا نص واضح يعكس بجلاء منهج المحدثين النقاد في تعليل الأحاديث ، ويتضمن هذا النص النقاط التالية:
العلة عبارة عن وهم الراوي وخطئه .
العلة نوع عام يشمل الشاذ والمنكر والمقلوب والمصحف والمدرج والمضطرب.
الذي يكشف الخطأ هو الناقد الجهبذ .
وسائل كشف الخطأ هي المخالفة والتفرد مع قرائن تنضم إليهما .
يعد تعارض الوصل والإرسال ، وتعارض الوقف والرفع ، وتداخل الأحاديث صورًا مشهورة لنوعية الأخطاء التي تقع من الرواة عمومًا .
زيادة الثقة لها ظهور في هذا النص .
أن العلة كلها قادحة .
وأن الحكم بالخطأ يكون على الظن الغالب (4) .
(1) وأما إذا كان الحديث عن ثقة غير مشهور فإنه يزداد غموضًا في معرفة الخطأ والصواب ، لصعوبة الوقوف على الواقع الحديثي بالنسبة إليه ؛ إذ الدلائل والقرائن تكون شحيحة الوجود ، ووسائل البحث والمقارنة لا تكون متوفرة كما ينبغي . فإذا تفرد عنه راو بحديث فإن الحكم عليه لن يكون سهلًا ، بل قد يؤدي ذلك إلى اضطراب بين تصحيح وتحسين وتضعيف .
(2) بما أن المخالفة والتفرد من أهم مؤشرات الخطأ تضمنها تعريف الشاذ والمنكر ، فقد قبل في تعريف الشاذ:
أن يخالف الثقة من هو أوثق منه .
أو أن يتفرد الراوي بحديثه .
وأما المنكر فقيل في تعريفه:
أن يخالف الضعيف ما رواه الثقة ، أو أن يتفرد الراوي بحديثه .
والجدير بالذكر أن المقصود هنا في هذه التعريفات ليس مجرد مخالفة تكون بين ثقة وأوثق ، ولا مطلق تفرد يتفرد به راو ، كما يتوهم ذلك ، وإنما المقصود هو أن يخالف الراوي الأمر الواقع ، أو أن ينفرد بما ليس له أصل في واقع الأمر .
ومن أهم ما تتوقف عليه معرفة ذلك بدقة متناهية هو فقه ما يحيط بالحديث من القرائن والملابسات، يقول الحافظ ابن رجب:
"ولهم في كل حديث نقد خاص ، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه". (شرح العلل ، ص208) .
ويقول الحاكم:"والحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير". (معرفة علوم الحديث ص13) .
ويقول أبو حاتم:"وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا". (مقدمة الجرح والتعديل 1/350) .
(3) علوم الحديث المشهور بمقدمة ابن الصلاح ص53 - 53 .
(4) وتفصل ذلك كما يلي:
أما النقطة الأولى فتتجلى من قوله الذي ختم به النص ، وهو قوله:
"أو وهم واهم لغير ذلك ، بحيث يغلب على ظنه ذلك".
يدل هذا النص على أن ما سبق ذكره من تعارض الوصل والإرسال ، وتعارض الوقف والرفع ، وإدخال حديث في حديث يكون نتيجة وهم وأهم ، كما يدل على أن الوهم لا ينحصر في هذه الصور المذكورة ، بل له صور أخرى .
وعلى هذا السياق يمكن أن نفهم أن مفهوم العلة دائر على وهم الراوي وخطئه ، وأنه يقع في صور مختلفة .
والنقطة الثانية تظهر من تمثيل ابن الصلاح للعلة بتعارض الوصل والإرسال وتعارض الوقف والرفع وغير ذلك ، إذا الواصل أو الرافع يخالف المرسل أو الواقف ؛ فإذا كان الأول ثقة ، وبالثاني أوثق، أو جماعة، أو راجحًا في ضوء قرائن أخرى، فيعد حديث الثقة المتصل أو المرفوع =