إن حصول العلم بطريق تواتر الأخبار يختلف باختلاف الوقائع والمخبرين والسامعين ، فقد يحصل العلم في واقعه بعدد مخصوص ولا يحصل به في واقعة أخرى ، وقد يحصل بأخبار جماعة مخصوصة ولا يحصل بأخبار جماعة أخرى تساويهم في العدد ، وقد يحصل لسامع ولا يحصل لسامع آخر ، ويستفاد منه أن التوتر وحصول العلم أمر نسبي .
وقال الحافظ ابن حجر: (وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة المطلع على العلل ، فكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور) (1) .
ولذلك لا يصح الإطلاق بأن الأحاديث خبر آحاد وأنها لا تفيد إلا الظن ؛ ومن المعلوم أن في جملة أخبار الآحاد ما يفيد القطع بكذبه ، وفيها ما يفيد القطع بصدقه ، وفيها ما يفيد الظن بكذبه ، كما يفيد الظن بصدقه ، وفيها ما تعتريه ريبة ، وكل هذا واقع تبعًا للقرائن التي تحتف به.
فإذا نقل أحد الكذابين خبرًا يخالف الواقع وينافي التاريخ بشكل واضح فإن ذلك يفيد الجزم بكذبه عند من يعلم ذلك ، وكذلك إذا نقل العدل التقي الموثوق المعروف بعنايته بطلب العلم وضبطه حديثًا وافق الواقع أو النص الثابت أو عمل الأمة أو عمل بعضهم ثم اشتهر ذلك الحديث لدى ثقات الحفاظ فإنه يفيد أيضًا القطع بصحته ، وعلى هذا الأمر البدهي فأطلاق القول بأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن لا يستقيم إلا على التجويز العقلي المجرد عن ملاحظة القرائن الطارئة .
(1) شرح النخبة ص64 (من شرح الشرح للشرقاوي .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"قوم اجتمعوا على أمور متنوعة في الفساد ومنهم من يقول: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد بالتواتر ، إذ التواتر نقل الجم الغفير عن الجم الغفير ؟ أما من أنه لم يثبت حديث واحد بالتواتر فيقال له: التواتر نوعان: تواتر عن العامة وتواتر عن الخاصة وهم علماء الحديث ، وعلماء الحديث يتواتر عندهم ما لا يتواتر عند غيرهم ، لأنهم سمعوا ما لم يسمع غيرهم ، وعلموا من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يعلم غيرهم."
والتواتر لا يشترط له عدد معين ، بل من العلماء من أدعى أن له عددًا يحصل له به العلم من كل ما أخبر به كل مخبر ، ونقوا ذلك عن الأربعة وتوقفوا فيما زاد عليها ، وهذا غلط ، فالعلم يحصل تارة بالكثرة وتارة بصفات المخبرين وتارة بقرائن تقترن بأخبارهم وبأمور أخر .
وأيضًا فالخبر الذي رواه الواحد من الصحابة والأثنان: إذا تلقته الأمة بالقبول والتصديق أفاد العلم عند جماهير العلماء ، ومن الناس من يسمى هذا: المستفيض ، والعلم هنا حصل بإجماع العلماء على صحته ، فإن الإجماع لا يكون على خطأ ، ولهذا أكثر متون الصحيحين مما يعلم صحته عند علماء =
= الطوائف: من الحنفية والملكية والشافعية والحنبلية والأشعرية ، وإنما خالف في ذلك فريق من أهل الكلام . (علوم الحديث لشيخ الإسلام ابن تيمية ص) .
وقال البلقيني في محاسن الاصطلاح:"نقل بعض الحفاظ المتأخرين عن جمع من الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة أنهم يقطعون بصحة الحديث الذي تلقته الأمة بالقبول ، فالخبر إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له وعملًا بموجبه أفاد العلم عند جماهير العلماء من السلف والخلف ، وهو الذي ذكره جمهور المصنفين ، كالإمام السرخسي وغيره من الحنفية ، والقاضي عبد الوهاب وأمثله من المالكية والقاضي أبي الطيب الطبري وأبي إسحاق الشيرازي وغيرهم من المصنفين في أصول فقه الشافعية ، وأبي يعلى القاضي وأبي الخطاب وغيرهم من الحنابلة وهو قول أكثر أهل العلم حتى من الأشاعرة وغيرهم".
وخبر الآحاد إذا احتفت به القرائن أفاد العلم والقطع على رأي جماهير الأصوليين من المذاهب الأربعة، ورغم كل هذا فإن الأصوات تعلو مرددة لتلك النظرية المنطقية المجردة التي تقضي بأن خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن ، سعيًا على تطبيقها في السنة النبوية بشكل موسع دون أدنى اعتبار لواقع السنة وطبيعة نقل أحاديثها ، وسيرة المحدثين النقاد في اهتمامهم بجمعها ونقدها وعرضها على عمل الأمة وتفانيهم في سبيل ذلك .