وأما العنصر الثاني فيعرف بما يلي:
1-تصريح كل من سلسلة الإسناد بما يدل على سماعه للحديث من مصدره الذي روى عنه ذلك الحديث ، كقوله ك (سمعت فلانًا) أو (سمعنا فلانًا) أو (حدثني فلان) أو (حدثنا) أو (قرأت عليه) أو (حدثني قراءة عليه) أو (حدثنا قراءة عليه) أو (أخبرني) أو (أخبرنا) أو (أنبأني) أو (أنبأنا) أو (قال لي) أو (قال لنا) ، أو نحو ذلك من العبارات الدالة على أن الراوي قد لقي من فوقه ، وأنه سمع منه ذلك الحديث .
ومثال ذلك: قال الإمام البخاري في صحيحه:
"حدثنا بن سعيد الأنصاري ، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي ، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي ، يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (1) ."
وهذا مثال واضح لمعرفة اتصال السند ، إذ صرح كل من رواته بما يدل على سماعه ممن فوقه ، وكانت ألفاظهم في ذلك مختلفة ، وهي: (حدثنا) و (أخبرني) و (سمعت) ، ومن المعلوم أن هؤلاء الرواة جميعًا عدول ثقات بحيث لا يتصور في حقهم احتمال كذب في ذلك ، ويتأيد ذلك بطبقاتهم الزمنية ، وصحبة كل منهم مع من فوقه (2) .
2-عنعنة الراوي ، إذا لم يكن مدلسًا ، أو مرسلًا (3) ، فتفيد عنعنته الاتصال ، وأما إن
كان الراوي المعنعن مدلسًا ، فعنعنته تحمل على الانقطاع لقوة احتمال تدليسه في الإسناد بإسقاط شيخه الذي سمع منه هذا الحديث (4) .
وكذا الأمر إذا اختلف العلماء في سماع الراوي ممن فوقه عمومًا ، ولم يتبين الراجح في ذلك، فإن الحكم على الإسناد باتصاله حينئذ متوقف على ما يزول به احتمال الانقطاع ، من القرائن .
ومثال الحديث المعنعن:
قال الإمام البخاري: حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا مالك عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"نعم المنيحة اللقحة الصفي منحة ، والشاة الصفي تغدو بإناء وتروح بإناء" (5) .
ورواية مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة معنعنة ، وهذه العنعنة تفيد الاتصال ، إذا الرواة غير مدلسين ، إلى جانب شهرتهم بتاريخهم الحافل المتميز باهتمام كل منهم بأحاديث شيخه خاصة ، وبالأحاديث عامة (6) .
(1) صحيح البخاري ، كتاب بدء الوحي ، باب كيف كان بدء الوحي 1/12 ، (فتح الباري ، مكتبة الرسالة الحديثة / عمان ، الأردن) .
(2) فائدة: يكون مثل هذا السند الصحيح مما يعول عليه علماء الجرح والتعديل عادة في تدوين تاريخ الراوي ، ولقائه مع من فوقه ، وإثبات سماعه منه عمومًا .
ويتضح ذلك جليًا لمن يتتبع كتب العلل والجرح والتعديل ، لا سيما كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري ، ولعل من الأفضل أن أذكر مثالًا واحدًا لذلك
يقول عبد الله بن أحمد: قلت (لأبي) : إنهم يقولون لم يسمع (ابن أبي ذئب) من الزهري؟
قال: قد سمع من الزهري ، حدثناه يحي بن سعيد عن ابن أبي ذئب حدثني الزهري ، فذكرنا غير حديث ، فيها:"حدثني الزهري"، وفيها أيضًا:"سألت الزهري" (علل الإمام أحمد 1/538) .
وكان الإمام أحمد قد أثبت سماع ابن أبي ذئب من الزهري عمومًا من خلال صيغ التلقي الصريحة على ذلك ؛ حيث وقعت هذه الصيغ في بعض الأسانيد الصحيحة الثابتة .
(3) العنعنة في هذه الحالة تفيد اتصال السند ، بدون خلاف ، وحتى في حالة ما إذا لم يثبت تاريخيًا أن الراوي المعنعن لم يلتق مع من فوقه ، ولم يتبين أنه سمعه ولا نقيضه ، يعني في حالة الإبهام ، كما صرح بذلك الإمام مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة صحيحه ، فإن العنعنة عندئذ تحمل على الاتصال بمجرد المعاصرة بينهما ، مع إمكانية اللقاء ، بشرط أن ذلك الراوي الثقة كان ممن يصعب البحث عن
(4) تفاصيل لقاءاته مع من روى عنه الأحاديث ، كما يقع ذلك في طبقة التابعين ، حيث لا تتوفر المعلومات التاريخية والكافية فيما يخص تفاصيل علاقتهم ولقائهم مع بعض الصحابة .
وليس كما هو الشائع لدى الكثيرين من إطلاق مذهب مسلم باكتفائه بالمعاصرة ، والبخاري بثبوت اللقاء ، ثم يوصف البخاري بتشدده ، والآخر بتساهله ، أو قد يوصف كل منهما بالاعتدال ، لكن حسب مواطن الاحتجاج لما يميل إليه الباحث .
والواقع أن مذهب مسلم في ذلك مقيد بحالة الإبهام ، وليس ذلك مطلقًا ، ولم يختلف معه في ذلك لا البخاري ولا علي بن المديني ، وهو أمر انعقد الاجتماع عليه ، كما ادعى الإمام مسلم رحمه الله ، وللشيخ حاتم الشريف جزاه الله خيرًا بحث ماتع حول هذا الموضوع .
وهذا الأسلوب المتمثل في اعتماد الحالة العامة عند الإبهام ليس غريبًا ، بل هو معول عليه في التصحيح والتضعيف أيضًا ، وحين لم تتوافر القرائن فيما يرويه الراوي من الحديث تكون حالة الراوي أساسًا لدى النقاد في تصحيح ذلك الحديث وتضعيفه وتحسينه
كما نعول على هذا الأسلوب في معالجة القضايا اليومية ، إذا لم نجد قرائن تدل على حقيقة الأمر ، اعني في حالة كون الأمر مبهمًا .
وموضوع العنعنة والأنأنة سيأتي بشيء من التفاصيل في النقطة الثالثة من هذه الوحدة حين نتحدث عن الانقطاع .
( ) سيأتي إن شاء الله تعالى في الموضوع الثالث من هذه الوحدة تفاصيل التدليس والمدلسين ، وأنهم ليسوا على مستوى واحد في إفادة عنعنتهم الاتصال والانقطاع .
(5) كتاب الهبة ، باب فضل المنيحة 5/242 (فتح الباري) المنيحة في الأصل: العطية ، والمراد هنا عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنها ثم ترد هي لصاحبها . (اللقحة) : الناقة ذات اللبن ، القريبة العهد بالولادة. (الصفي) الكريمة الغزيرة البن ، ويقال لها الصفية أيضًا . قوله: (منحة) تمييز (راجع فتح الباري) .
(6) ثم إن الاتصال يزداد وضوحًا من خلال جمع طرق الحديث ، كما يتأكد من خلالها على سلامته من وهم راويه وخطئه . ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من المعلومات المتعلقة بالإسناد والمتن وفقهه تتوقف على جمع الروايات ، ومقارنة بعضها ببعض .
لفتة علمية مهمة:
إن صيغ التحمل التي تقع في سلسلة الإسناد ، كـ حدثنا ، وأخبرنا وأنبأنا ، أو عنعنة غير المدلسين ، تعد الأصل في معرفة اتصال السند ، وهذا واضح لمن يتتبع عمل النقاد ، لكن يجدر بنا أن نلفت الانتباه إلى أن هذه الصيغ والألفاظ قد لا تفيد اتصال السند بمفردها ، لتساهل بعض رواة الحديث في استخدام هذه الكلمات في غير معناها الحقيقي ، الذي هو السماع والتلقي المباشر ، أو لوقوع وهم منه في استعمالها ، بدلًا عن الصيغة التي استخدمها شيخه ، ويكون بمقدور الباحث أن يكتشف هذه الأمور الخفية من خلال جمع الروايات ومقارنة بعضها بعض ، وموظفًا في ذلك ما ورد عن النقاد من النصوص حول انقطاع السند أو اتصاله .
ولهذا قال الحافظ ابن رجب:
"ولا يعتبر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد ، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الإخبار عن شيوخه ، ويكون منقطعًا".
"وذكر أحمد عن ابن مهدي حدث بحديث عن هشيم أخبرنا منصور بن زاذان ، قال أحمد: ولم يسمعه هشيم من منصور . ولم يصح قول معمر وأسامة عن الزهري سمعت عبد الرحمن بن أزهري" (شرح العلل 2/594) .
وقال الحافظ ابن عبد البر في مبحث العنعنة من مقدمة التمهيد 1/26:
"إنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع".
وقال الإسماعيلي:
"إن عادة المصريين والشاميين ذكر الخبر فيما يروونه" (فتح الباري 1/645 كتاب الصلاة ، باب فضل استقبال القبلة) .
يعني: أنهم يتساهلون في استعمال صيغ التلقي ، ويذكرون (أخبرنا) و (حدثنا) ، وإن لم يكن ذلك الحديث مما سمعه الراوي من شيخه . وقد قاله الإسماعيلي في مناسبة تعليله رواية يحيى بن أيوب ، عن حميد حدثنا أنس: (أمرت أ، أقاتل الناس) .
يعني الإسماعيلي: أن يحيى بن أيوب تساهل حين استعمل لفظه (حدثنا) مع كون حميد لم يسمع هذا الحديث من أنس مباشرة . ويحيى بن أيوب هذا من ضعفاء مصر . =
= وقال الحافظ ابن حجر:
"ويلتحق بالتدليس ما يقع من بعض المدلسين من التعبير بالتحديث أو الإخبار عن الإجازة ، موهما بالسماع ، ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئًا".
وقال ابن القطان الفاسي في صدد نقد حديث الذهب:
"إن الناس قالوا إن رواية يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام منقطعة على أن يحيى قال: حدثنا زيد بن سلام ، وقد قيل: إنه دلس ذلك ، ولعله أجازه زيد بن سلام ، فجعل يقول حدثنا زيد".
وقال ابن عبد البر - بعد أو أورد رواية يحيى بن أبي كثير التي قال فيها حدثنا أبو سلام:
"ولم يسمعه يحيى من أبي سلام ، ولا يصح" (التمهيد 16/115) .
وعن علي بن المديني:
"قلت ليحي بن سعيد القطان: يعتمد على قول فطر بن خليفة (حدثنا) ويكون موصولا؟"
فقال: لا .
فقلت: أكان ذلك منه سجية ؟
قال: نعم"."
وكذا قال الفلاس:
"إن القطان قال له: وما ينتفع بقوله فطر: (حدثنا عطاء) ، ولم يسمع منه".
ويقول الإمام أحمد:
"كان سجية في جرير بن حازم أن يقول: حدثنا الحسن قال حدثنا عمرو بن تغلب".
وأبو الأشهب يقول: عن الحسن قال:"بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن تغلب". (علل أحمد 1/267) .
إذن كيف يعتمد قول جرير عن الحسن حدثنا عمرو بن تغلب في إفادته الاتصال ، وهو يقول: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن تغلب ؟
وقال أبو عبيد الحداد:
"كتب لأبي حرة حديثه (سمعت الحسن) ، أو (حدثنا الحسن) ، فقال: ما قلت هذا ، أنا أقول هذا ؟ قال (أي الإمام أحمد) : فما قال في شيء (سمعت الحسن) إلا في ثلاثة أشياء" (علل أحمد 1/267) .
ومن المعلوم أ، أبا حرة معروف بتدليسه عن الحسن (علل أحمد 1/267) .
وإن كانت هذه النصوص واضحة وجلية في دلالتها على أن المعرفة الحديثية والتاريخية هي أساس نقد الأحاديث ورواتها ، وحتى في الحكم على الأسانيد بانقطاعها أو باتصالها ، فإن اعتماد ظاهر السند، وقياس الحكم على أحوال الرواة ومراتبهم في الجرح والتعديل ، يصبح غير منهجي ، لا سيما حين يكون ذلك ردًا على نقاد الحديث الذين حكموا بخلاف مقتضى ظاهر السند .