المؤنن وإزالة الشبهة عنه
يذكر في كتب المصطلح في هذه المناسبة مصطلح (الأنأنة) أو (المؤنن) ، ويقال في مثال ذلك:"حدثنا فلان أن فلانًا حدثه بكذا"، وهو: نحو حديث مالك ، عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب قال كذا ، وفرق بعضهم بين (عن) و (أن) : فرأوا أن (أن) محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر.
= وبناءً على ذلك فإن حكم أحد من النقاد بانقطاع سند قال فيه الراوي (أخبرنا) أو (حدثنا) لا ينبغي لنا أن نعترض عليه بحجة أن المدلس إذا صرح بالسماع زال الخوف من احتمال تدليسه ، ثم نحكم على السند باتصاله ، بل يتعين علينا تسليم الحكم لذا الناقد ، دون استفسار ، وذلك لأن حكمه على السند بانقطاعه إنما هو بناءً على ما توافرت لديه من المعرفة الحديثية والتاريخية .
ومما يزيدنا شعورًا بعمق موضوع الاتصال أن كلمة (قال) تفيد الاتصال في حق بعض الرواة ، حتى ولو كان مدلسًا ، مثلًا إذا قال حجاج الشاعر: (قال ابن جريج) فذلك يعني أنه قد سمعه ، ولا يحتمل ذلك للانقطاع . وكذلك إذا قال ابن جريج: (قال عطاء) فإنه يفيد الاتصال أيضًا ، مع كون ابن جريج مشهورًا بالتدليس .
وهذا - كما ترى - مخالف للقاعدة المعروفة في كتب المصطلح ، وهي: أن المدلس إذا قال: (قال) لا يحمل على الاتصال ، ويكون شأنه في ذلك شأن العنعنة .
ومخالف أيضًا لقول النقاد: إذا قال ابن جريج: (قال) فذلك شبه الريح .
وجواب ذلك:
أولًا: لأن ابن جريج قد صحب شيخه ، ولازمه ملازمة طويلة حتى استوعب جميع أحاديثه بحيث لم يفته شيء منها ، وحينئذ تكون روايته عنه بأي صيغة كانت مما لا يحتمل فيه التدليس ، ومن المعلوم أنه لا يعول على ظاهر ألفاظ التلقي في حالة ما إذا دلت الأدلة والقرائن على خلافه .
ثانيًا: قول بعض النقاد: (إذا قال ابن جريج: قال ، فذلك شبه الريح) إنما هو في حق شيوخه الذين لم يستطع استيعاب أحاديثهم ، لعدم مجالسته معهم طويلًا . ولا صلة لهذا القول بروايته عن عطاء ، فإنه ينبغي استثناؤه منه . (راجع كتاب الموازنة للمؤلف ص276) .
وإن كان في هذه النصوص ما يدلنا على أن رواية المدلس قد تظل منقطعة ، مع أنه قد وقعت في سنده صيغة تنص على سماعه ممن فوقه كـ (حدثنا) و (أخبرنا) ، كما يدل على أن المدلس إذا قال (قال) فقد يحمل على الاتصال ، وحتى إذا لم يرد في طرق أخرى تصريحه بالسماع ، فبذلك كنا قد وقفنا على دقة علم الحديث ومنهج أهله في النقد ، الأمر الذي يمنع الباحث من الاستعجال في حكمه على الحديث بناءً على ظاهر السند ، لا سيما في رده أحكام النقاد بما يخالف الظاهر .
وفي ضوء ما سبق يمكن التخليص بأنه إذا ثبت لقاء الراوي بشيخه ، واشتهرت صحبته له ، وتبين من خلال جمع الروايات ومقارنة بعضها ببعض أنه قد انتفى ما يعكر صحة سماعه منه لذلك الحديث الذي رواه ، فيكون ذلك المعول عليه في معرفة اتصال سنده ، وإن لم يرد عن ذلك الراوي تصريح بالسماع .
أقول: هذا غريب من قائله ، لأن المثال الذي ذكره لتوضيح صورة (المؤنن) لا يصلح لأنه بصدد بيان اختلاف العلماء حول إفادته الاتصال والانقطاع ، فإن المثال لا يختلف في اتصاله أحد ، لأنه صرح باتصال السند حيث قال: (أن فلانًا حدثه) ، فصيغة (حدثه) - سواء استخدام معه كلمة (أن) أو لا - صريحة بسماع الراوي من شيخه ، وإذا استخدمت فيه (أن) يفيد التأكيد على الاتصال ، إذن كيف يقال بوجود الاختلاف حول هذا الإسناد المؤنن في إفادة الاتصال ، إذن كيف يقال بوجود الاختلاف حول هذا الاسناد المؤنن في إفادة الاتصال والانقطاع ؟ والمثال الثاني ليس له صلة بأن في إفادة الاتصال أو الانقطاع ، فإن كلمة (حدث) أو (قال) أو (أخبر) - سواء استخدمت فيها (أن) أو لا - غير صريحة في إفادة الاتصال ، بل تفيد الاتصال إذا لم يكن الراوي مدلسًا ، وليس لأنأنته صلة في ذلك . ومن المعلوم أن (أن) لا تشكل بمفردها السند ، فلا يقال: (أن فلانًا أن فلانًا) ، وليس لها معنى إلا إذا جاءت مع كلمة ، مثل (حدثني) أو (حدث) أو (قال لنا) أو (قال) ونحوها ، بخلاف (عن) فإنها تستقل بالمعنى ، وتتكون منها الأسانيد ، ويقال"الإسناد المعنعن".
وقياسًا على ذلك قيل:"المؤنن"، ولم يرد هذا المصطلح في كلام القدامى ممن تطرق لبيان ذلك ، كمسلم وابن عبد البر وحتى العلائي من المتأخرين .
والواقع أن المؤنن الذي وقع فيه اختلاف بين العلماء هو الإسناد الذي ينتهي بـ (أن) ، ومثاله:"عن مالك عن سعيد بن المسيب أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم"فأن هنا ليست كعن لأن (أن) هنا تفيد الانطقاع ، وأما إذا قيل المثال (عن) مثلًا: عن سعيد بن المسيب عن رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أفاد الاتصال هنا ، فإن سعيدًا يحكي عن رجل .
وأما (المؤنن) كما في المثال المذكور آنفًا فلا يفيد إلا الانقطاع ، لأنه لم يكن حاضرًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا معنى قوله الإمام البرديجي أن (أن) محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر . وفي مثل هذا تفيد (أن) الانقطاع ، ولن تكون (أن) مثل (عن) .
وأما قول بعض الأئمة أن (عن وأن) سواء ، فمثال ذلك كما قال ابن عبد البر: مالك عن هشام بن عروة أن أباه قال ، ولا يختلف هذا الإسناد عن الإسناد المعنعن الذي فيه (عن أبيه) بدلًا (أن أباه قال) ، وكلاهما سواء في إفادة الاتصال والانقطاع . وهذا الموضع بحاجة إلى مزيد من التضويح والأمثلة .