خلاصة الفكر حول مسألة الاتصال
خلاصة القول حول مسألة الاتصال:
أن صيغ التلقي التي ترد في السند ك (حديثنا) و (أخبرنا) وعنعنة غير المدلسين ، وغيرها مما سبق ذكره ، تعد أصلًا في معرفة اتصاله وانقطاعه عمومًا ، غير أنه قد تعتريها بعض الحالات ، تجعل تلك الصيغ غير معول عليها لدى النقاد في معرفة الاتصال ، وذلك لأسباب يعرفونها ؛ منها:
وهم أحد الرواة في استخدام صيغة التحديث بدلًا عن الصيغة التي ذكرها شيخه .
توسع الراوي في استخدام صيغة التحديث في غير معناها الحقيقي تجاوزًا .
وبالتالي يكون الاعتماد في ذلك على ما نص عليه الأئمة في هذا المجال ، كما أن المعاصرة قد لا تكفي بمردها في ثبوت الاتصال ، لا سيما في حالة وجود نص صريح من أولئك الأئمة النقاد على انقطاع السند ، اللهم إلا إذا توفرت عند الباحث المعاصر معرفة تاريخية دقيقة وشاملة حول ذلك الراوي ، ومدى علاقته بمن روى عنه ، وكيف تلقى ذلك الحديث منه بالتحديد ن وذلك من خلال جمعه الروايات ، وفقه نتائج المقارنة بينها ، واطلاعه على آراء الأئمة (1) .
ولعل من المفيد ذكر بعض الأمثلة لندلل على أن معرفة الاتصال تتوقف على خلفية علمية تاريخية ، وأنها لا يكفي في ثبوت ذلك الاعتماد صيغ التلقي في بعض الأحيان ، وحتى لو كانت المعاصرة بين الرواة جلية في ضوء التاريخ
قال الإمام أحمد:
"حج عيسى بن يونس سنة ثلاث وثمانين ، في السنة التي مات فيها هشيم ، وخرجت إلى الكوفة في تلك السنة فمرضت ورجعت ، وقدم عيسى الكوفة بعد ذلك بأيام ، ولم أسمع منه ، ولم يحج عيسى بعد تلك السنة ، وعاش بعد ذلك ستين". (العلل ومعرفة الرجال 1/559 ، تحقيق وصي اتلله ، وط:الأولى سنة 1408هـ ، المكتب الإسلامي ، دار الخاني ، بيروت) .
ومن له إحاطة بمثل هذا الحدث التاريخي الذي يتعرض له آحاد الرواة لا يتسرع إلى إثبات السماع بين الرواة بمجرد وجود المعاصرة ، أو بإمكانية السماع ، حتى ولو وقع من الراوي من صيغ التحمل ما يدل ظاهره على ذلك ، لاحتمال أن يكون قد وقع ذلك خطأ أو تساهلًا أو تدليسًا منه أو ممن بعده .
وقال الإمام أحمد:
"يزيد بن أبي حبيب لم يسمع من الزهري ابن شهاب شيئًا ، إنما كتب إليه الزهي ، ويروي عن رجل عنه ، لم يسمع من الزهري شيئًا".
وقال الإمام أحمد:
وقال مرة:"يزيد ابن أبي حبيب عن الزهري كتاب إلا ما سمى بينه وبين الزهري" (العلل ومعرفة الرجال 1/538) .
وفي هذين النصين وغيرهما من النصوص التي ترد في كتب العلل وكتب الضعفاء ما يؤكد على أن اتصال السند تتوقف معرفته بقدر كبير على خلفية إسنادية وتاريخية ، وأنه لا يتأهل أحد لذلك بمجرد نظر سطحي في صيغ التلقي الواردة في سلسلة الإسناد ، وبمراجعة عامة لتاريخ رواة الحديث.
وأما أهمية هذا العنصر في معرفة صحة الحديث فتكمن في أن العنصر الثالث الذي سيأتي الحديث عنه مباشرة يتوقف البحث عنه بقدر كبير على معرفة مصدر الراوي الذي سمع منه الحديث ، إذ لو لم يعرف ذلك المصدر وأصبح الإسناد منقطعًا لكان البحث عن الواقع الحديثي أو العملي أو التاريخي الخاص به متوقفاتً ، وبالتالي لا يعرف هل أخطأ الراوي في روايته عن مصدره الحقيقي أو أصاب ، وه لحدث عنه فعلًا كما سمعه منه . كما سيتضح ذلك جليًا في المبحث الآتي .
(1) ولذلك يجب على الباحث الذي يتصدى لمهمة تصحي الأحاديث وتعليلها أن يكون عالمًا بملابسات كل رواية ، وملمًا بتتبع القرائن التي تحف بها ، وفاهمًا بما تضمنه نصوص النقاد من الأبعاد النقدية ، ومراعيًا لأسباب تداخل الروايات على رواتها عمومًا .
ولصعوبة نقد الحديث في العصور المتأخرة يقول الحافظ الذهبي:
"وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث ، فإن أولئك الأئمة ، كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود ، عاينوا الأصول ، وعرفوا عللها ، وأما نحن فطالت علينا الأسانيد ، وفقدت العبارات المتيقنة ، ويمثل هذا ونحوا فطالت علينا الأسانيد ، وفقدت العبارات المتيقنة ، وبمثل هذا ونحوه دخل داخل على الحاكم في تصرفه في المستدرك"الموقظة للذهبي: ص46 ، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة ، ط2 ، سنة 1412هـ ، دار البشائر الإسلامية ، بيروت) .
ولئن أطلت الحديث في مسألة اتصال السند بعض الشيء فذلك إحساسًا مني بخطورة ما يروج في بعض البحوث المعاصرة من تساهل كبير في الحكم على السند باتصاله معتمدًا على ظاهر صيغ التلقي، أو على تاريخ الراوي العام ، الذي يمكن الاستدلال به على وجود المعاصرة بينه وبين من روى عنه الحديث ، وإمكانية سماعه منه عمومًا ، في الوقت ا لذي يتفق فيه أئمة النقد على أن السند منقطع ، والراوي لم يسمع أصلًا ممن فوقه ، أو لم يسمع منه ذلك الحديث بعينه . =