اختلف العلماء في تعريف المصحف والمحرف ، غير أن آراءهم تتفق على معنى التغيير في الكلمة الصحيحة عمومًا (1) .
والحديث المصحف أو المحرف معلول ، أخطأ فيه الراوي بتصحيف كلمة أو تحريفها ، ويخالف بذلك الواقع الحديثي أو يتفرد بما لا أصل له .
وكثيرًا ما يقع التصحيف ممن يأخذ الحديث من الصحيفة دون سماعها من راويه أو القراءة عليه ، ولهذا لم تقبل أحاديثهم ، كعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وأبي الزبير عن جابر .
يقول الحافظ الذهبي: وأما تعليل بعضهم بأنها صحيفة وروايتها وجادة بلا سماع فمن جهة أ، الصحف يدخل في روايتها التصحيف لا سيما في ذلك العصر ، إذ لا شكل بعد في الصحف ولا نقاط بخلاف الأخذ من أفواه الرجال (2) .
وقد يقع التصحيف في أسماء الرواة وقد يقع في المتن ، وهناك أسماء يشتبه بعضها ببعض في الخط ، مثل شعبة وسعيد ، وشيبان وسفيان ، وبسر وبشر ، وهذه الأسماء تتعرض كثيرًا للتصحيف ، ولذلك اهتم المتأخرون بوضع الرموز على هذه الأسماء لتفادي التصحيف فيها.
ومثال التصحيف في الرواة ما صحفه يحيى بن معين في حدث شعبة عن العوام بن مراجم - بالراء والجيم - عن أبي عثمان النهدي عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لتؤدن الحقوق إليها أهلها ..."الحديث من حيث قال ابن معين: (ابن مزاحم) - بالزاي والحاء - وإنما هو ابن مراجم .
ومثال التصحيف في المتن: حديث زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجر في المسجد بخوصة أو حصير يصلي فيها .
رواه ابن لهيعة وصحف فيه وقال:
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم في المسجد .
وقيل له: مسجد في بيته ؟
قال: مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم .
ويقول الإمام مسلم معلقًا عليه:
وهذه رواية فاسدة من كل جهة ، فاحش خطؤها في المتن والإسناد جميعًا ، إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر ، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث أو عرض عليه .
حدثني محمد بن حاتم حدثنا بهز بن أسد حدثنا وهيب حدثني موسى بن عقبة قال: سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد ، عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) .
ومن خلال جمع الروايات تبين أن ابن لهيعة خال وهيبًا ، وتفرد عن موسى بن عقبة بما لا يعرفه أصحابه ، أو بما لا يوجد في كتابه ، وسبب هذا الخطأ هو التصحيف .
ومن الجدير بالذكر أن هذه الأنواع - المقلوب والمدرج والمصحف - إنما يتحقق وجودها حين تترجح رواية من بين الروايات المختلفة ، في ضوء القرائن ، وقد يكون المرجوح منها مقلوبًا ، أو مدرجًا ، أو مصحفًا .
وأما الحديث الراجح فيقال عنه: (المحفوظ) أو (المعروف) أو (الصحيح) أو (الأشبه) أو (شيبه) أو (يشبه) ، أو غير ذلك من العبارات التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء (4) .
وأما إذا لم يترجح شيء من تلك الوجوه المختلفة ، ولم يثبت لدى الناقد أنا جميعًا صدرت من مصدر الحديث ، فذلك الحديث الذي يسمى مضطربًا ، مع تأكده من وجود خطأ في الحديث، غير أنه لم يستطع تحدي جهة صدوره .
وفي الفقرات الآتية توضيح ذلك .
(1) قيل: التصحيف: هو تغيير في نقط الحروف أو حركاتها مع بقاء صورة الخط ، مثل قحمة وفخمة.
والتحريف: هو العدول بالشيء عن جهته ، وحرف الكلام تحريفًا أي عدل به عن جهته ، وهو قد يكون بالزيادة فيه ، أو النقص منه ، أو تبديل بعض كلماته ، أو بحمله على غير المراد منه ، فالتحريف أعم من التصحيف .
(2) سير أعلام النبلاء 5/471 .
(3) كتاب التمييز 1/187 للإمام مسلم .
(4) ينبغي لفت الانتباه إلى أن تخصيص المحفوظ بمقابل الشاذ ، والمعروف بمقابل المنكر أمر اصطلاحي ذكره الحافظ ابن حجر ، غير أنه ليس له أصل في استعمال النقاد ، فإنهم يستعملون هذين المصطلحين وغيرهما عند ترجيح رواية من الروايات المختلفة ، بغض النظر عن أحوال الرواة .
كما أن هذا الراجح لا يعني بالضرورة صحته وصلاحيته للاحتجاج ؛ إذا معنى الترجيح هو ذكر الثابت عن الشيخ المختلف عليه ، فقد يكون الشيخ مخطئًا في حديثه ، أو قد رواه منقطعًا ، كما يتضح ذلك عند تتبع نصوص النقاد في كتب العلل وكتب الضعفاء . والله أعلم .