وبقى لنا العنصر الثالث ، وهو عدم مخالفة الواقع ، أو الواقع العملي ، ويتحقق هذا العنصر إما بموافقة ما رواه الراوي الأمر الواقع في رواية ذلك الحديث ، أو بتفرده بما له أصل في الواقع ، ويعد هذا من أهم عناصر التصحيح ، إذ يعتبر الحديث صحيحًا بمجرد تحقق هذا العنصر، وإن كان روايه ضعيفًا بشرط أن لا يكون متروكًا ، كما أن هذا العنصر يكون في غاية من الدقة والغموض ؛ حيث يحتاج الناقد في معرفة ذلك إلى خلفية علمية وملكة نقدية .
ولذلك قال يزيد بن أبي حبيب:"إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة" (1) .
وقال بعض الحافظ:"إن لم يكن للحديث عندي مائة طريق فأنا فيه يتيم" (2) .
وقال الإمام علي بن المديني:"الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه" (3) .
وقال ابن معين:"لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه" (4) .
وقال الإمام أحمد:"الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه ، والحديث يفسر بعضه بعضًا" (5) .
(1) كتاب الجامع لأخلاق الراوي 2/212 للخطيب البغدادي .
(2) سنن الدارمي 1/161 ، كتاب التعديل والتجريح 1/386 ، (تحقيق أبو لبابة ، ط1 . سنة 1406هـ ، دار اللواء) .
(3) الجامع لأخلاق الراوي 2/295 .
(4) تاريخ بغداد 6/94 ، سير أعلام النبلاء 12/150 .
(5) الجامع لأخلاق الراوي 2/212 ، وأما اليوم فقد خرق الناس نهج المحدثين ، وكثر فيهم من يعرف الحديث من خلال رواية واحدة !! وإذا أنكر عليه أحد تساهله في ذلك واستعجاله في الحكم ، ونصحه باحترام النقاد ، فإنه يكون قد عرض نفسه للخطر ، والله المستعان .