فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 87

الواقع الحديثي

أم الواقع الحديثي فأعني به ما ثبت عن المحدث الذي روى عنه الحديث ، فبمقدور الناقد أن يقف على الواقع ، وتحديده بكل دقة ، من خلال معاينته أصول ذلك المحدث ، أو بحفظ ما يتداوله أصحابه الثقات عنه ، لا سيما أكثرهم مجالسة له وحفظًا وضبطًا لأحاديثه .

وفي هذا الصدد تصدر عن النقاد عبارات مختلفة: كقولهم: (المشهور عن فلان كذا) و (المحفوظ في هذا الحديث كذا) و (الثابت عن فلان كذا) و (ما رواه الثقات عنه كذا) ، ونحو ذلك من عبارات النقد التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء وسنن الترمذي .

ولعل من المفيد أن أذكر هنا أنموذجًا لذلك:

قال الإمام أحمد - وهو في مناسبة ذكر الوهم الذي وقع فيه شيخه وكيع ، أحد كبار أئمة الحفاظ المكثرين -:"الحديث الذي رواه وكيع عن ابن أبي ذنب عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجمع بين الظهر والعصر ، إنما هو حديث داود بن قيس هو من حديث ابن أبي ذئب" (1) .

وتفيد هذه العبارة بأن الأمر الواقع في هذا الحديث هو أن يضاف إلى داود بن قيس ، وليس إلى ابن أبي ذئب . فإذا خالف أحد هذا الواقع الثابت في رواية هذا الحديث يعتبر واهمًا ومخطئًا، ولا يثق بذلك إلا من قد مارس منهج القوم وأحاط بأسسه وتيقن دقته (2) .

(1) علل الإمام أحمد 2/30 .

(2) ومن الجدير بالذكر مخالفة الراوي للأمر الواقع ، أو تفرده بما لا أصل له ، تكون هي المناط في مفهوم مصطلح (الشاذ) المعبر عنه بمخالفة الثقة لما رواه الجامعة ، أو بمخالفته للأوثق . وعلى هذا يكون معنى الشاذ هو: مخالفة الراوي للواقع الحديثي ، أو تفرده بما لا أصل له ، كما سيأتي في الموضع الثاني من هذه الوحدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت