فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 87

الواقع العملي

وأما الواقع العملي فأقصد به العمل المشهور عن الشيخ ، أو فتواه ، أو عقيدته ، أو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة في الجانب العملي (1) .

ولإيضاح هذا الأمر أذكر هنا مثالًا واحدًا ، روي عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله ما الطهور بالخفين ؟ قال: للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن (2) .

يقول الإمام مسلم:"هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة ، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين ، ولو كان قد حفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به ، فلما أنكره الذي في الخبر من قوله: ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم ، والقول الآخر: ما أبالي على ظهر حمار مسحت أو على خفي ، بان ذلك أن غير حافظ المسح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن من أسند ذلك عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم واهي الرواية ، أخطأ فيه إما سهوًا أو تعمدًا" (3) .

لقد رسم الإمام مسلم من خلال هذه الفقرة منهج نقده لحديث أبي هريرة في المسح ، وأن ه أعل هذا الحديث لكونه مخالفًا لما ثبت عنه من إنكاره مسح الخفين .

وهذه صورة مخالفة الحديث الواقع العملي ، ومراعاة ذلك عند التصحيح.

فإذا كان الحديث الذي يروى عن شخص مخالفًا لما ثبت عنه ، أو لم يكن له أصل عنده ، فإنه يتوقف عن قبوله كل من يعرف ذلك ، دون أن يغتر بظاهر سند الحديث ولا بشخصية رواية (4) .

(1) لعلماء الأصول في ذلك قاعدة كلية لمعالجة مسألة:"إذا عمل الراوي بخلاف حديثه الذي رواه"، وبموجب هذه القاعدة يبقى الحديث ثابتًا عندهم ، وأنهم لا يحكمون بضعفه لاحتمال كون الراوي قد ترك العمل به لوجود دليل أقوى ، أو للاحتياط ، أو لوجود إشكال عنده ، أو لأنه يرى الحديث منسوخًا .

لا يكون هذا الموقف مسلمًا إلا إذا ثبت الحديث عمن أضيف إليه ، وأما قبل ثبوته عنه ، ولمجرد كون الحديث قد أضيف إليه من قبل ثقة أو غيره فلا ، ولذلك فتعميم هذه القاعدة حتى في الحال التي لم يثبت فيها الحديث عن الراوي يكون غير منهجي ، وإن عمل الراوي بخلاف الحديث قد يشكل لدى النقاد قرينة قوية على خطأ رواية ذلك الحديث عنه ، لا سيما إذا كان الثقات قد رووا هذا الحديث عن راو آخر ، كما في المثال .

يمكن التفريق بين الثابت وغيره في مثل هذه المناسبة بشهر الرواية وغرابتها ، ففي حال ثبوت الحديث عن الراوي يكون مشهورًا بين الثقات ، وأما في غير ذلك فيكون الحديث غريبًاُ عن الراوي ، لا يعرفه الثقات . والله أعلم .

(2) الإمام مسلم في التمييز ص209 ، وابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف 1/209، وابن عدي في الكامل 5/64 .

(3) التميز ص 208-209 .

(4) وبقدر ما يتوفر لدى الناقد من المعرفة والفهم والذوق الحديثي يحس عن يقين بأن ذلك الحديث خطأ، أو يغلب عليه الظن بذلك .

ولا شك أن هذه الأمور تكون في غاية من الدقة والغموض ، ولا يقف على حقيقتها إلا الناقد الجهيذ، وليس لغيره إلا التسليم له والقبول ، لا سيما فيما يخص التمييز بين حالتي التفرد: التفرد بما له أصل والتفرد بما ليس له أصل .

وبقدر مطابقة الراوي للواقع ومخالفته له وتفرده بما له أصل أو بما ليس له أصل ، يحدد المحدثون درجات ذلك الراوي في الحفظ والضبط والإتقان عمومًا ، ومراتبه في سلم الجرح والتعديل بدقة بالغة.

وذلك أن الراوي إن كان صادقًا فيما رواه عن شيخه ، ومنصفًا في نقله ، فإن بذلك يصبح مطابقًا لغيره من الثقات ، أو منفردًا بما له أصل ثابت عن ذلك المصدر . =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت