فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 87

الوحدة الأولى وترتيب أنواعها (1)

لعل من الأفضل إلقاء نظرة سريعة على موضوعات هذه الوحدة ، وما يطلق عليها من المصطلحات .

تضم الوحدة الأولى ثلاثة موضوعات رئيسة ، وتدور عليها المصطلحات الآتية:

صحيح ، حسن ، حسن صحيح ، جيد ، لا بأس به ، زيادة الثقة ، العلة ، الشاذ ، المنكر، المقلوب ، المدرج ، المصحف ، المضطرب ، الموضوع .

والموضوعات الثلاثة هي:

الحديث الذي ثبتت صحته .

الحديث له الذي ثبت خطؤه .

الحديث الذي لم يثبت فيه هذا ولا ذاك .

وفيما يلي بيان كيف تدور تلك المصطلحات على هذه الموضوعات الثلاثة:

أما الموضوع الأول فيطلق عليه عادة مصطلح"صحيح"، وقد يطلق عليه مصطلح"حسن" (2) ، بينما يصطلح عليه بعضهم كلمة"حسن صحيح" (3) .

وأما الموضع الثاني فيطلق عليه: (ضعيف) ، (معلول) ، (شاذ) ، (منكر) ، (مقلوب) ، (مدرج) ، (مصحف) ، (مضطرب) ، (موضع) . وإلى جانبها ألفاظ صريحة يستعملها النقاد كثيرًا ؛ وهي:

(حديث غريب) ، (غير محفوظ) ، (باطل) ، (وهم) ، 0خطأ) (تفرد به فلان) ، (لا يشبه حديث فلان) (لا يجيء) وغيرها من العبارات الصريحة التي تزخر بها كتب العلل وكتب الضعفاء وغيرها .

والموضوع الثالث يقول فيه: (ضعيف) (4) ، (مرسل) ، (مدلس) ، (مدلس) ، (منقطع) ، (معضل) ، (معلق) وإذا تقوى نوع من هذه الأنواع بعواضد بالشروط التي سيأتي ذكرها، ولم يصل إلى حد شعور الناقد بأنه ثابت يقال: (حسن) ، (جيد) ، (لا بأس به) ، وقد يطلق عليه أيضًا (صحيح) تجوزًا ، ولا يريد به الموضوع الأول (5) .

(1) أورد لفت القارئ إلى أن هذه الوحدة تعد الوحدة الثانية حسب الترتيب الذي سبق شرحه ، لكني أقدم هذه الوحدة في الذكر واعتبرها الوحدة الأولى نظرًا لأهميتها .

(2) يقول الحافظ الذهبي: إنهم قد يقولون فيها صح: هذا حديث حسن . وانظر كتاب (نظرات جديدة) ، ص23 - 26 للمؤلف ، ففيه أمثلة تطبيقية من نصوص النقاد .

(3) من الجدير بالذكر أن النقاد لم يفرقوا بين المصطلحات ، وأنهم لم ينشغلوا بتعريفاتها لتكون مضامينها محددة ، وإنما جاء تحديدها في العصور المتأخرة حين احتاج الناس إلى ضبط المصطلحات الواردة عن النقاد القدامى ، وتحديد معانيها ، لبعدهم عن عصر النقد ، بخلاف المتقدمين ، فإنهم يفهمون معانيها بالخبرة والممارسة ، دون حاجتهم في ذلك إلى التعريف المنطقي ، وشأنه في ذلك شأن بقية العلوم الشرعية .

ولذلك فلا مانع لدى المتقدمين - لا لغويًا ولا اصطلاحيًا - من إطلاق الصحيح على الحسن ، والحسن على الصحيح ، أو الجمع بينهما ؛ كقول بعضهم: حسن صحيح ، وإن كان ذلك مشكلًا عن المتأخرين ، لكونهم قد ضبطوا معانيها من خلال تعريفات محددة ، بحيث إذا أطلق مصطلح من المصطلحات لا يتبادر إلى الذهن إلى ذلك المعنى . وسيأتي إن شاء الله تعالى حدث خاص حول هذا الموضوع في نوع الحسن . ومن الجدير بالذكر أن الإمام الترمذي حين يحكي عن بعض النقاد

(4) تصحيحه كان يقول:"قال فلان هذا حديث حسن صحيح"أو"هذا أحسن وأصح"، دون أن يلفظ ذلك الناقد بهذه الكلمة . فقد حكى الإمام الترمذي عن الإمامين: أحمد والبخاري تصحيحهما حديث المستحاضة الذي روته حمنة بنت جحش: بقوله:"حسن صحيح". دون أن يرد هذا اللفظ عنهما (سنن الترمذي ، أبواب الطهارة ، باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد 1/226) .

وأما لفظهما فكما ورد في علل الترمذي:"قال محمد (يعني البخاري) : حديث حمنة بنت جحش في المستحاضة هو حديث حسن ، إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم ، لا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا ، وكان أحمد بن حنبل يقول: هو حديث صحيح". (العلل الكبير ص58 ، تحقيق السامرائي ، ط1 ، 1409هـ ، عالم الكتب ، وسنن البيهقي 1/339) .

وفي أثناء المقارنة بين السياقين يبدو واضحًا أن ما تضمنه السياق الثاني هو لفظ البخاري وأحمد ، بخلاف ما ورد في السياق الأول ، فإنه ورد مختصرًا ، اختصره الترمذي بأسلوبه المعروف في التعبير في التصحيح .

ومثال آخر: يحكي فيه الترمذي عن البخاري تصحيح حديث"البحر هو الطهور ماؤه": بقوله:"حسن صحيح". (شرح العلل 1/ 342 - 343 ، تحقيق الأستاذ نور الدين عتر) . وفي الوقت ذاته قال الترمذي: سألت محمدًا عن حديث مالك عن صفوان بن سليم في حدث"البحر هو الطهور ماؤه"فقال:"هو حديث صحيح" (العلل الكبير للترمذي ص41 ، وكذا في التمهيد لابن عبد البر 16/218) . وقال الحافظ ابن حجر في هذا الحديث:"صحح البخاري - فيما حكاه عنه الترمذي في العلل المفرد - حديثه ، وكذا صححه ابن خزيمة وابن حبان وغير واحد" (التهذيب 4/42) .

وهذا كله يدل على توسعهم في إطلاق الألفاظ والمصطلحات ، وأن الترمذي يقصد بقوله حسن صحيح ما يقصده غيره بقوله: صحيح"لا غير . والله أعلم ."

( ) مصطلح (ضعيف) يطلق على كل أنواع الضعيف .

(5) سبق شرح هذا الموضوع بالأمثلة في كتاب (نظرات جديدة في علوم الحديث) للمؤلف ، ومما ينبغي لفت النظر إليه أن فهم ذلك التفاوت بين المصطلحات ، ومقصود الناقد بها يتوقف بقدر كبير على خبرة واسعة ، ودراية بمنهجهم ، وفقه مناسبة استعمالهم لها ، ولا يصلح في ذلك اعتماد كتب المصطلح اعتمادًا كليًا ، فإنها تذكر لك من المعاني ما هو الأغلب استعمالًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت