فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 87

تختلف في ظاهرها ، والذي ينبغي أن نعمله في هذه المناسبة هو أن لفظ الشاذ قليل الورود في كتب العلل ، غير أن ما يوردونه فيها من أنواع الحديث المعلول يتجسد فيها معنى الشاذ على اختلاف الآراء، لا سيما على معناه المستقر في كتب المصطلح .

وإذا أمعنا النظر في تلك الآراء الواردة في معنى الشاذ وجدناها جمعيًا تدور على نقطة التفرد بما لا أصل له ، أو المخالفة للواقع ، وبالتالي يشكل مصطلح الشاذ نوعًا بارزًا من العلة ، وليس قسيمًا لها .

والمتتبع لمواقع استعمال كلمة الشاذ في نصوص النقاد ، مع قلة ذلك ، يجد أن بعضهم يستخدموها في الحديث إذا كان غريبًا لا أصل له في جانبي العمل والرواية ، لا سيما إذا خالف ذلك المتن ما ثبت العمل به واشتهر ، وتناقض معه تناقضًا صريحًا ، كما يتجلى ذلك من النصوص الآتية (1) :

عن شعبة: لا يجيئك الشاذ إلا من الرجل الشاذ .

وعن صالح بن محمد الحافظ: الحديث الشاذ الحديث المنكر الذي لا يعرف .

وعن إبراهيم بن أبي عبلة: من حمل شاذ العلم حمل شرًا كثيرًا .

وعن معاوية بن قرة: إياك والشاذ من العلم .

وعن الإمام أحمد: أنه قال فيما روي عن أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب بعد وفاته: (تسلبي ثلاثًا ثم أصنعي ما بدا لك) :"إنه من الشاذ المطروح".

وعن الشافعي:"فعليك من الحديث ما تعرفه العامة وإياك والشاذ منه" (2) .

وقال أبو داود:"لا يحتج بحديث غريب ، ولو كان من رواية مالك ، ويحيى بن سعيد، والثقات ، من أئمة العلم ، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه ، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به ، إذا كان الحديث غريبًا شاذًا" (3) .

ولذلك نقل الخليلي عن الحافظ عمومًا فقال:

"الشاذ عند حفاظ الحديث ما ليس له إلا إسناد واحد ، يشذ بذلك شيخ ، ثقة كان أو غير ثقة ، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان من ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به".

والذي يمكن فهمه من ذلك هو:

أن الشاذ عند حفاظ الحديث كل حديث غريب لا أصل له . ويكون هذا معنى قول الخليلي:"ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ.."يعني لم يعرف إلا بسند واحد ، ولم يرو من غير وجه .

كما أن بعض المحدثين ؛ كالحاكم ، والبيهقي ، والخليلي ، قد يستخدمون كلمة الشاذ في الغريب المطلق ، سواء أكان له أصل أم لا ، وهو بخلاف ما بينه الحاكم والخليلي ، ويكون حينئذ مرادفًا لكلمة الفرد أو الرغيب ، ولذا قد يكون الشاذ صحيحًا أو ضعيفًا .

وإذا كان ذلك هو معنى الشاذ عند المحدثين فإن الذي استقر في كتب المصطلح ، ورسخ لدى الكثيرين أن الشاذ هو الحديث الذي رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى (4) .

وهذا يعني أن مفهوم الشاذ محصور في نقطة المخالفة بين الثقات الذين تتفق روايتهم في المخرج (5) .

ومن خلال ما سبق علمنا أن المحدثين عمومًا يستعملون الشاذ في معان مختلفة ، وعليه فإنه ينبغي أن نأخذ ذلك بعين الاعتبار حين نقرؤه في نصوص الأئمة ، ولا ينبغي أن نتعامل معه حسب معناه المستقر في كتب المصطلح .

ويمكن أن نلخص الكلام حول الشاذ في معنيين ، وهما:

الحديث الغريب الذي لا أصل له ، ولم يرو من وجه آخر .

الحديث المخالف للصواب .

وكلاهما يدور على معنى الغرابة التي تنافى الصواب ، وبذلك نكون قد جمعنا بين الأقوال المختلفة ، واستوعبنا في الوقت ذاته منهجهم في التعليل بذلك .

وأما إذا جعلنا الشاذ مقيدًا بمخالفة الثقة لمن هو أولى منه ، وتعاملنا على هذا الأساس مع نصوص النقاد ، فإننا نكون قد ضيقنا الواسع ، وأسأنا فهم مصطلحاتهم ، وسلكنا مسلكًا غير سليم .

ومن الجدير بالذكر أن المخالفة التي تؤخذ في مفهوم الشاذ ينبغي أن تكون في أوسع معانيها ، لتشمل ما يلي:

مخالفة الحديث لما رواه الناس من الأحاديث .

مخالفته للواقع العملي .

مخالفته للواقع التاريخي .

ولا ينبغي حصرها بين ثقة وأوثق ، يتحدان في المخرج .

(1) ويقول السخاوي مستخلصًا من قول الحافظ ابن حجر:

"والشاذ لم يوقف له على علة ، وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذلك (يعني المعلول) في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط ، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه ، وأنه من أغمض الأنواع وأدقها ، والشاذ أدق من المعلل بكثير". (فتح المغيث 1/232) .

وإذا كانت العلة تعرف بمخالفة الراوي الثقات أو بتفرده بما لا اصل له ، فإن الشاذ - سواء فسرناه بكونه مخالفة للراجح ، كما استقر عليه رأي المتأخرين ، أم فسرناه بأنه غريب تفرد به الراوي وليس له أصل ، كما هو رأي الحفاظ عمومًا - متداخل في مفهوم العلة ، وأنه لا ينفك عنها . والله أعلم.

( ) هذه النصوص نقلها الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح العلل ، ص236 ، وهي في كتاب الكفاية في علوم الرواية ، ص140 - 141 .

(2) الأم 7/338 .

(3) رسالة أبي داود لأهل مكة ، ص29 .

(4) على أن فيه ملحوظة ، وهي:

إن كان الشاذ مقيدًا بنقطة المخالفة ، وكان المقصود من المخالفة مخالفة الراجح ، فإن تخصيص الشاذ بمخالفة الثقة مع الأوثق ، أو مع الجماعة ، يصبح ضيق النطاق ، وكان ينبغي حمله على أوسع من ذلك ، وتجعل المخالفة مع الأمر الواقع ، لأنه قد تصحبه قرينة تدل على أن ما رواه الأوثق مرجوح شاذ ، أو ما رواه الجماعة مردود شاذ ، وكون الراوي أوثق ليس قرينة مطردة لمعرفة شذوذ الحديث الذي يخالفه .

(5) وبالتالي يكون الشاذ بهذا المعنى جزءًا بارزًا من العلة ، ومع ذلك فإنه يفرق بينهما ، ويعتبر الشاذ غير العلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت