قال الطبري [1] :"وهذه الآية ، أعني قوله: { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ } وإن كان مخرجها مخرج الخبر ، فإن معناها الأمر ، يدل على ذلك قوله: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ } فلم يكن التخفيف إلا بعد التثقيل ، ولو كان ثبوت العشرة منهم للمائة من عدوهم ، كان غير فرض عليهم قبل التخفيف ، وكان ندبًا ، لم يكن للتخفيف وجه ؛ لأن التخفيف إنما هو ترخيص في ترك الواحد من المسلمين الثبوت للعشرة من العدو ، وإذا لم يكن التشديد قد كان له متقدمًا ، لم يكن للترخيص وجه ، إذ كان المفهوم من الترخيص إنما هو بعد التشديد ، وإذا كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن حكم قوله: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } ،ناسخ لحكم قوله: { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ } ".
وقال ابن عطية [2] :"وهذا هو النسخ ؛ لأنه رفع حكم مستقر بحكم آخر شرعي ، وفي ضمنه التخفيف إذ هذا من نسخ الأثقل بالأخف".
فالحكم المستقر هو وجوب مصابرة الواحد للعشرة ، والحكم الآخر هو وجوب مصابرته للاثنين فقط ، وهذا هو النسخ بعينه. [3]
وقال بعض المفسرين: إن هذا تخفيف لا نسخ ، إذ لم يستقر لفرض العشرة حكم شرعي. [4]
قال الجصاص [5] ـ ردًا على هذا القول ـ:"والتخفيف لا يكون إلا بزوال بعض الفرض الأول أو النقل عنه إلى ما هو أخف منه ، فثبت بذلك أن الآية الثانية ناسخة للفرض الأول".
(1) في"جامع البيان"11 / 268 .
(2) في"المحرر الوجيز"8 / 109 .
(3) انظر"الناسخ والمنسوخ في كتاب الله"2 / 388 حاشية"3"بتحقيق الدكتور سليمان اللاحم .
(4) انظر"الناسخ والمنسوخ في كتاب الله"2 / 388 ،"المحرر الوجيز"8 / 109 .
(5) في"أحكام القرآن"3 / 92 .