ويبين ابن القيم - رحمه الله تعالى - أن لا منافاة بين علوه سبحانه وقربه فيقول:"وهو سبحانه قريبٌ في علوه؛ عالٍ في قربه، كما في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال:"كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فارتفعت أصواتنا بالتكبير، قال: (أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إن الذي تدعونه سميعٌ قريبٌ، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) (1) .
فأخبر صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق به أنه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته على عرشه؛ مُطَّلعٌ على خلقه؛ يرى أعمالهم، ويرى ما في بطونهم، وهذا حقٌ لا يُناقض أحدُهما الآخر.
والذي يُسهِّل عليك فهم هذا: معرفة عظمة الربِّ؛ وإحاطته بخلقه، وأن السماوات السبع في يده كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى؛ ثم يهزهنَّ، فكيف يستحيل في حقِّ مَنْ هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه؛ ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش؟" (2) ."
من آثار الإيمان باسمه سبحانه (القريب) :
أولًا: محبته سبحانه والأنس به، لأن الإيمان بقربه سبحانه القرب الخاص المستلزم للرحمة، وإجابة الدعوة، واللطف بعبده يثمر المحبة والطمأنينة والأنس به سبحانه، وطلب العون منه وحده.
ثانيًا: قوة الرجاء في الله سبحانه، وعدم اليأس من رحمته، والتضرع بين يديه فهو قريب لمن ناجاه مجيب لمن دعاه، وهذا يثمر الأمل والرَّوح في القلب، ويزرع حسن الظن به سبحانه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات، ويفتح باب الدعاء والتضرع من العبد لربه سبحانه، ويخلص القلب من شوائب الشرك والتعلق بالمخلوقين ممن يسمون بالأولياء الذين يتخذهم كثير من الناس شفعاء ووسطاء عند الله - عز وجل - كالحاجب بين يدي الملك، ولكن إذا أيقن العبد بقرب ربه سبحانه ورحمته دخل على ربه مباشرة وتضرع بين يديه وألقى حاجته إليه وحده.
(1) البخاري (2992) ، مسلم (2704) .
(2) مختصر الصواعق المرسلة 2/ 460.